فهرس الكتاب

الصفحة 4326 من 9994

فالجواب: أن العبرة بالمعاني لا بالمباني، والأمور بمقاصدها، ولشيخ الإسلام كلام نفيس في الألفاظ التي اصطلح عليها المتكلمون ولم ترد في الكتاب والسنة، ولا جرت على ألسنة سلف الأمة. وهذا نصّه:"وهذا التقسيم ينبّه أيضًا على مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله، إذ ذاك متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة، أو استدلّ على المقالات الباطلة. فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكمًا ودليلاً فهو من أهل العلم والإيمان: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] . وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحاتهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة... فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرّد ما فيه من الاصطلاحات المولَّدة كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات... فإذا عُرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة بحيث يثبت بحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا في الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو من الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبه".

فإذا كان هذا في الاصطلاحات الموَلّدة التي كان الغرض من وضعها التسلل إلى نفي الصفات أو تأويلها، فكيف الأمر بالنسبة لعبارة صحيحة أساء فهمها أو استخدامها بعض الناس؟!

3-المقصود من توحيد الحاكمية:

المراد بتوحيد الحاكمية إفراد الله عز وجل بالحكم، وهو أن يعتقد العبد أن الحكم لله سبحانه وحده لا شريك له فيه، فله الحكم في الدنيا، وله الحكم في الآخرة، وله الحكم الكوني، وله الحكم الشرعي، فمن اعتقد أن أحدًا غير الله يحكم بين العباد يوم القيامة، أو اعتقد أن أحدًا غير الله يتحكم في الكون ويتصرف فيه، أو اعتقد أنه يجوز الخروج عن شريعة الله أو تشريع ما لم يأذن به الله، فهذا قد نقض هذه الشعبة العظيمة من شعب الإيمان, وخلع ربقة الإسلام من عنقه والعياذ بالله.

وقد جمع الشيخ عبد الرحمن بن سعدي هذه المعاني لتوحيد الحاكمية فقال:"فإن الربّ والإله هو الذي له الحكم القدري والحكم الشرعي والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى، بحيث تكون الطاعات كلها تبعًا لطاعته".

وقال ابن القيم رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين:8] :"وحكمُه يتضمن نصره لرسوله على من كذّبه وجحد ما جاء به، بالحجة والقدرة والظهور عليه، وحكمَه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره، وحكمَه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه".

4-علاقة"توحيد الحاكمية"بأقسام التوحيد:

إن"توحيد الحاكمية"ليس قسيمًا لأقسام التوحيد المشهورة، ولكن له تعلّق بكلّ قسم منها ويندرج تحته باعتبار معيّن:

أ- علاقته بتوحيد الألوهية:

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:"فسّر العلماء رحمهم الله العبادة بمعانٍ متقاربة، من أجمعها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهذا يدل على أن العبادة تقتضي الانقياد التام لله تعالى، أمرًا ونهيًا واعتقادًا وقولاً وعملاً، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله، يحلّ ما أحل الله، ويحرم ما حرّم الله، ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرفاته كلها لشرع الله، متجردًا من حظوظ نفسه ونوازع هواه... فلا يكون عابدًا لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته، وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى... فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه فهو العابد له، ومن خضع لغيره وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له... والعبودية لله وحده، والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه، من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فالله سبحانه هو رب الناس وإلههم، وهو الذي خلقهم، وهو الذي يأمرهم وينهاهم، ويحييهم ويميتهم، ويحاسبهم ويجازيهم، وهو المستحق للعبادة دون كل ما سواه قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] ، فكما أنه الخالق وحده، فهو الآمر سبحانه، والواجب طاعة أمره... ومما تقدم يتبين لك أيها المسلم أن تحكيم شرع الله والتحاكم إليه ممّا أوجبه الله ورسوله وأنه مقتضى العبودية لله والشهادة بالرسالة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم".

ومن الأدلة الواضحة الدالة على أن توحيد الحاكمية شعبة من شعب توحيد الألوهية وأن الإشراك فيه إشراك في العبادة قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت