فهرس الكتاب

الصفحة 4427 من 9994

أيها الإخوة الكرام. . النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطانا معياراً دقيقاً وميزاناً واضحاً قسطاً في مسألة الخيرية فقال - صلى الله عليه وسلم: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ) (1) وهذه شهادة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن لا ينطق عن الهوى في فضيلة تعلم القرآن وتعليمه خيركم أي خير هذه الأمة من تعلم القرآن وليس التعلم هنا فقط تعلم الألفاظ إنما هو تعلم اللفظ مع المعنى خيركم من تعلم القرآن وعلمه فإقبال الناس وإقبال المرء على القرآن دليل واضح على خيريته وله من الخيرية بقدر هذا الإقبال فالذي يقبل فقط على حفظ القرآن فيه من الخيرية ما يقابل الحفظ فقط والذي يقبل على حفظه وفهم معناه وتدبره واستنباط الحكم والأحكام منه هذا فيه من الخيرية ما ليس في غيره، من يقبل على هذا كله حفظاً وفهماً وتدبراً ويعقد ذلك بالعمل هذا فيه من الخير ما ليس في غيره وهلم جرّاً.. فبقدر أخذك للقرآن علماً وعملاً بقدر ما يكون معك من الخير وبقدر ما يحصل لك الكمال إذا استكملت مراتب التعلم ثم انتقلت إلى مراتب التعليم، فالتعليم للقرآن العظيم من خير الأعمال لأنه به تحفظ الشريعة وليس فقط كما ذكرنا التعليم للفظ بل التعليم للفظ والمعنى، والعجيب أيها الإخوة أنك إذا نظرت إلى سير العلماء على اختلاف أزمانهم ودرجاتهم في العلم ونفعهم للأمة تجد أنهم في آخر أوقاتهم يتحسرون على عدم الاشتغال أو يندمون على عدم الاشتغال بالقرآن ودوا لو أنهم أعطوا القرآن من النظر والبحث والتأليف والقراءة ما ليس لغيره من العلوم وذلك لما وجدوا في القرآن من الأثر والنفع والبقاء فإن في القرآن من العلم ما ليس في غيره يكفي قول الله جل وعلا في ذكر القرآن ?بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ? (2) وقد طلب الكفار من النبي - صلى الله عليه وسلم - الآيات والمعجزات فجاءهم الجواب في قوله تعالى: ?أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ? (3) فالكتاب أعظم آيات الأنبياء أعظم حجة وأعظم برهان لكنه حجة وبرهان لمن تدبره وتأمله وأقبل عليه.

القرآن أيها الإخوة يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أدل ولا أصدق من وقوع هذا الحديث في واقع الأمة من رفع الله جل وعلا لسلف الأمة بأخذهم القرآن فإن الله رفع القرون المفضلة لما كانوا عليه من الإقبال على هذا القرآن قراءة وعلماً وعملاً وتعليماً ودعوة وغير ذلك من أوجه الانتفاع بالقرآن الحكيم.

أيها الإخوة إننا في هذه الأزمان المتأخرة التي بليت فيها الأمة بالمصائب والرزايا من عدة جهات فيما يتعلق بعلاقتها بربها وبعلاقتها بالخلق وعلاقتها مع دينها تحتاج الأمة إلى أن تراجع هذا الكتاب الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله ) ) (4) فالواجب على المسلمين أفراداً وجماعات أن يعودوا إلى هذا المعين الصافي إلى هذا المنبع الصافي الذي لا تنضب فوائده ولا تنتهي عجائبه ولا تنقضي أسراره وأسباب النجاة فيه فينبغي لنا أن نقبل على هذا الكتاب فيه القصص فيه العبرة فيه العظة فيه التثبيت فيه الهداية فيه النور كما قال الله جل وعلا في وصفه: ?وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ? (5) فهذا القرآن نور وروح فهذه أوصاف تبعث الحياة في الفرد كما أنها تبعث الحياة في الجماعة وكما أنها تبعث الحياة في الأمة فإن الأمة إذا أقبلت على الكتاب بشرت بهذين الروح والنور، الروح يحصل به الحياة والنور يحصل به التمييز بين الحق والباطل الخروج من هذه الظلمات التي أحلكت بالأمة وأحاطت بها من كل جانب لا مخرج منها إلا بالكتاب المبين والقرآن العظيم قال الله جل وعلا: ?أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا? (6) نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يصلح أحوال المسلمين وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته فإنهم أهل الله لإقبالهم على صفة من صفاته وخاصته لأنهم عظموا ما عظم و أقبلوا على كتابه أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن تعلم القرآن وعلمه.

(1) ... أخرجه البخاري من حديث عثمان بن عفان في كتاب فضائل القرآن برقم 4639.

(2) ... العنكبوت: 49.

(3) ... العنكبوت: 51.

(4) أخرجه مالك في مسنده من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ: (( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه ) )برقم 1395. ...

(5) ... الشورى: 52

(6) ... الأنعام: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت