فهرس الكتاب

الصفحة 4449 من 9994

وهو يقول: يا أماه .. أبشري .. قد قُبل المهر .. وزُفت العروس ..

نعم ..

هؤلاء أقوام .. أيقنوا أنه لا مهرب من نزول الموت .. فسعوا إليه قبل أن يسعى إليهم

أحبّوا لقاء الله فأحبّ الله لقاءهم .. وبذلوا مهجهم رخيصة في سبيل الله تعالى ..

فما هو الجزاء ؟

فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف

عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين

* الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر

عظيم ..

نعم والله .. ذلك الفوز الكبير ..

إذا أوقفهم ربهم بين يديه .. فرحوا بما ماتوا عليه .. فيبيض وجوههم .. ويرفع

درجاتهم ..

بل كان الصالحون يفتنون في دينهم .. ويهددون بالموت .. فلا يلتفتون إليه ..

نفوسهم صامدة .. على غاية واحدة .. هي الموت على ما يرضي الله ..

فهم كما قال الله لهم: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ..

نعم .. ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ..

-لما ربط الكفار خبيب بن عدي رضي الله عنه على جذع نخلة ليقتلوه .. لم يفزع .. ولم

يجزع .. بل أخذ ينظر إليهم ويقول:

لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وان يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع - ولما دخل سعد بن أبي وقاص على ملك الفرس .. صرخ في وجهه وقال: جئتك بقوم يحبون الموت .. كما تحبون أنتم الحياة ..

-وفي معركة أحد يكثر القتل بالمسلمين .. وتتسابق سهام الكفار إلى رسول صلى الله عليه وسلم ..

فكان أبو طلحة رضي الله عنه يرفع صدره ويقول:

يا رسول الله لا يصيبك سهم .. نحري دون نحرك ..

نعم ما دام أن الموت في رضا الرحمن فمرحباً بالموت ..

بل كانت المعاصي والشهوات .. والآثام والملذات ..

تعرض على الصالحين .. فلا يلتفتون إليها .. فيهددون بالموت .. فيختارونه .. فربهم

أعظم عندهم من كل شيء ..

ذكر ابن كثير وغيره:

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث جيشاً لحرب الروم ..

وكان من ضمن هذا الجيش .. شاب من الصحابة .. هو عبد الله بن حذافه رضي الله عنه ..

وطال القتال بين المسلمين والروم .. وعجب قيصرُ ملكُ الروم من ثبات المسلمين ..

وجرأتهم على الموت ..

فأمر أن يحضر إليه أسير من المسلمين ..

فجاءوا بعبد الله بن حذافة .. يجرونه .. الأغلال في يديه .. والقيود في قدميه ..

فأوقفوه أمام الملك ..

فتحدث قيصر معه فأعجب بذكائه وفطنته ..

فقال له: تنصر .. وأطلقك من الأسر ..

فقال عبد الله: لا ..

فقال قيصر: تنصر .. وأعطيك نصف ملكي ..

فقال: لا ..

فقال: تنصر .. وأعطيك نصف ملكي .. وأشركك في الحكم معي ..

فقال عبد الله: والله لو أعطيتني ملكك .. وملك آبائك .. وملك العرب والعجم .. على

أن أرجع عن ديني طرفة عين ما فعلت ..

فغضب قيصر .. وقال: أذن أقتلك ..

قال: اقتلني ..

فأمر قيصر به فسحب .. وعلق على خشبة ..

وجاء قيصر .. وأمر الرماة .. أن يرموا السهام حوله ولا يصيبوه ..

وهو في أثناء ذلك يعرض عليه النصرانية .. وهو يأبى .. وينتظر الموت ..

فلما رأى قيصر إصراره ..

أمر أن يمضوا به إلى الحبس ..

ففكوا وثاقه ومضوا به إلى الحبس .. وأمر أن يمنعوا عنه الطعام والشراب .. فمنعوهما

حتى إذا كاد أن يهلك من الظمأ والجوع ..

أحضروا له خمراً .. ولحم خنزير ..

فلما رآهما عبد الله .. قال: والله إني لأعلم أن ذلك يحل لي في ديني .. ولكني لا

أريد أن يشمت بي الكفار .. فلم يقرب الطعام ..

فأخبر قيصر بذلك .. فأمر له بطعام حسن ..

ثم أمر أن تدخل عليه امرأة حسناء تتعرض له بالفاحشة ..

فأدخلت عليه .. وجعلت تتعرض له وهو معرض عنها ..

وهي تتمايل أمامه ولا يلتفت إليها ..

فلما رأت المرأة ذلك .. خرجت غضبى وهي تقول:

والله لقد أدخلتموني على رجل .. لا أدري أهو بشر أم حجر ..

وهو والله لا يدري عني أأنا أنثى أم ذكر ..

فلما يئس منه قيصر .. أمر بقدر من نحاس .. فأغلي فيها الزيت ..

ثم أوقف عبد الله بن حذافة أمامها ..

وأحضروا أحد الأسرى المسلمين موثقاً بالقيود .. حتى ألقوه في هذا الزيت .. وغاب

جسده في الزيت .. ومات .. وطفت عظامه تتقلب في فوق الزيت ..

وعبد الله ينظر إلى العظام .. فالتفت قيصر إلى عبد الله .. وعرض عليه النصرانية ..

فأبى ..

فاشتد غضب قيصر .. وأمر بطرحه في القدر ..

فلما جروه إلى القدر .. وشعر بحرارة النار .. بكى .. ودمعت عيناه ..

ففرح قيصر .. وقال:

تتنصر .. وأعطيك .. وأمنحك ..

قال: لا ..

قال: إذاً .. لماذا بكيت ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت