فهرس الكتاب

الصفحة 4455 من 9994

الذين يحشرون مع فرعون وهامان ..ويتقلبون معهم في النيران ..

هم تاركو الصلاة .. وبين الرجل وبين الكفر أو الشرك .. ترك الصلاة ..

وحالهم عند الموت وبعده أدهى وأفظع ..

ذكر ابن القيم:

أن أحد المحتضرين .. كان صاحب معاص وتفريط .. فلم يلبث أن نزل به الموت .. ففزع من

حوله إليه .. وانطرحوا بين يديه .. وأخذوا يذكرونه بالله .. ويلقنونه لا إله إلا

الله ..

وهو يدافع عبراته .. فلما بدأت روحه تنزع .. صاح بأعلى صوته .. وقال:

أقول: لا إله إلا الله !!

وما تنفعني لا إله إلا الله ؟!! وما أعلم أني صليت لله صلاة !!

ثمّ مات ..

هذا هو الموت .. أول طريق الآخرة ..

وما بعده أفظع وأكبر ..

أما أحوال أهل القبور .. فهي أدهى وأخطر ..

فكم من جسد صحيح .. ووجه صبيح .. ولسان فصيح .. هو اليوم في قبره يصيح ..

على أعماله نادم .. وعلى الله قادم ..

خرج عمر بن عبد العزيز .. في جنازة بعض أهله فلما أسلمه إلى الديدان .. ودسه في

التراب .. التفت إلى الناس فقال:

أيها الناس:

إن القبر ناداني من خلفي .. أفلا أخبركم بما قال لي ؟

قالوا: بلى ..

فقال: إن القبر قد ناداني فقال:

يا عمر بن عبد العزيز .. ألا تسألني ما صنعت بالأحبة ؟

قلت: بلى .

قال: خرقت الأكفان .. ومزقت الأبدان .. ومصصت الدم .. وأكلت اللحم ..

ألا تسألني ما صنعت بالأوصال ؟

قلت: بلى .

قال: نزعت الكفين من الذراعين .. والذراعين من العضدين .. والعضدين من الكتفين ..

والوركين من الفخدين .. والفخدين من الركبتين .. والركبتين من الساقين .. والساقين

من القدمين .

ثم بكى عمر فقال:

ألا إن الدنيا بقاؤها قليل .. وعزيزها ذليل ..

وشبابها يهرم .. وحيها يموت .. فالمغرور من اغترَّ بها ..

أين سكانها الذين بنوا مدائنها ..

ما صنع الترابُ بأبدانهم ؟

والديدانُ بعظامهم وأوصالهم ؟

كانوا في الدنيا على أسرةٍ ممهدة .. وفرشٍ منضدة ..

بين خدم يخدمون .. وأهلٍ يكرمون ..

فإذا مررت فنادهم .. وانظر إلى تقارب قبورهم من منازلهم ..

وسل غنيَّهم ما بقي من غناه ؟

وسل فقيرَهم ما بقي من فقره ؟

سلهم .. عن الألسن .. التي كانوا بها يتكلمون .. وعن الأعين التي كانوا إلى اللذات

بها ينظرون ..

وسلهم عن الجلود الرقيقة .. والوجوه الحسنة .. والأجساد الناعمة ..

ما صنع بها الديدان ؟

محت الألوان .. وأكلت اللحمان .. وعفرت الوجوه .. ومحت المحاسن ..

وكسرت القفا .. وأبانت الأعضاء .. ومزقت الأشلاء ..

أين خدمهم وعبيدهم ..أين جمعهم ومكنوزهم ؟

والله ما زودوهم فَرْشا .. ولا وضعوا هناك متكئاً ..

أليسوا في منازل الخلوات .. وتحت أطباق الثرى في الفلوات ؟

أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟

قد حيل بينهم وبين العمل .. وفارقوا الأحبة والأهل ..

قد تزوجت نساؤهم .. وترددت في الطرق أبناؤهم ..

وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم ..

ومنهم والله الموسع له في قبره .. الغض الناضر فيه .. المتنعم بلذته ..

ثم بكى عمر وقال:

يا ساكن القبر غداً ..

ما الذي غرك من الدنيا ! ..

أين رقاق ثيابك .. أين طيبك .. أين بخورك ..

كيف أنت على خشونة الثرى ..

ليت شعري بأي خديك يبدأ الدود البِلى ..

ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا .. وما يأتيني به من

رسالة ربي ..ثم بكى بكاءً ..

ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة .. ومات .. رحمه الله ..

أهلُ القبور إما معذبون أو منعّمون ..

بل لعله في القبر الواحد دُفن عدة أشخاص .. هذا إلى الجنة وهذا إلى النار ..

بل يا أُخَيَّ ..إن الأمر أعجب من ذلك ..

لعل تحت قدميك الآن أقوام يُعذبون أو ينعمون ..

بل لعل تحتك في غرفة نومك أقواما محبوسين في حفر من جهنم ..

يعرضون على النار بكرة وعشياً ..

من يدري فالناس كثير .. والأرض قد تضيق عنهم ..

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب * فأين القبور من عهد عاد

خفف الوَطْء ما أظن أديم الأرض * إلا من هذه الأجساد

رُبَّ قبر قد صار قبراً مراراً * ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

ودفين على رفات دفين * من قديم الزمان والآماد

تعب كلها الحياة فلا أعجب * إلا من راغب في ازدياد

فأي عيش صفا وما كدّره الموت ؟

أي قدم سعت وما عثّرها الموت ؟

أما أخذ الآباء والأجداد ؟ أما سلب الحبيب وقطع الوداد ؟

أما أرمل النسوان .. وأيتم الأولاد ؟

عزاءٌ فما يصنع جازعُ ودمع الأسى أبد ضائعُ

بكى الناس من قبل أحبابهم فهل منهم أحدٌ راجعُ

فدلى ابن عشرين في قبره وتسعون صاحبها رافعُ

يُسلِّم مهجته راغماً كما مدّ راحته البائعُ

ولو أن من حدث سالما لما خسف القمر الطالع

وكيف يوقّى الفتى ما يخاف إذا كان حاصده الزارع

فالقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران

وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه

فإن يكُ خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده

وإن يكن شراً فما بعد أشدّ ويل لعبد عن سبيل الله صد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت