فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 9994

لقد أصبح من يدعو إلى دين الإسلام الحق هو المتهم وهو المنبوذ وهو المفسد في الأرض، ويُرمى بأنواع التهم والألقاب،وهذا ليس بالأمر الغريب! فهذه سيرة الكافرين منذ القدم، (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذاريات:53) .

3.خُطُورة أصدقاء السُّوء، فإنهم يضلون صاحبهم عن صراطِ اللهِ المستقيم، لقد تأثر عتبة بن ربيعة بما تلا عليه الرسولُ-صلى الله عليه وسلم-،وعاد إلى أصحابه بغير الوجه الذي ذهب به،وقال لهم ما قال،واعتزل قومه في دارِهِ يُفكِّرُ فيما سمع من الأمر العظيم،والإنذار الواضح،لقد سمع كلامًا ليس ككلام البشر، لقد اندهش وذهل وكاد أن يُصعق،جلس يفكر مليًا وانقطع عن قومه! فلما رأوه انقطع عنهم خافوا أن يسلم فذهبوا إليه في داره ووبخوه، وتراجع عن كل ما كان يريد، والله أعلم بما كان يفكر -لكن من خلال السياق يظهر أنه كان يتذكر تلك الكلمات التي سمعها والتي لم يسمع مثلها أبدًا-، وهذه الرواية توضح ذلك، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن النبي-صلى الله عليه وسلم- لما تلا على عتبة ما تلا من الآيات من أوائل سورة فصلت،وبلغ قوله-تعالى-: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) (فصلت:13) ،أمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة قد أصابته،فانطلقوا بنا إليه. فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يُغنيك عن طعام محمد. فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: والله، لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) . فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب.3

فانظر إلى حمق أبي جهل وجُرأته، كيف هزأ بصاحبه حتى ترك ما كان يُفكِّرُ به، وهذا يدلُّ على خُطُورةِ الصاحب,وأنه من الإنسان بمكانٍ خطيرٍ، فإنه يؤثر على سلوكِهِ وأخلاقِهِ ويصدُّهُ عن السَّبيلِ...

فماذا فات هذا الطاغية من الخير عندما أقسم ألا يكلم محمدًا-صلى الله عليه وسلم- بعدما تبين له الحق؟! لقد قتل صاغرًا يوم بدر مع من قتل، قتل هو وأبو جهل في معركة واحدة، ولاقوا مصيرًا سيئًا واحدًا، فما أغنى عنه صاحبه من الله شيئًا.. وهذه الصور تتكرر في تاريخ الأمم، فكم من إنسان صده أصحابه عن الاستقامة على الحق، فكانوا جميعًا من الخاسرين كما قال-تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان:27-29) .

نسأل الله -تعالى- حسن الخاتمة،ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 -الانعام:33.

2-سيرة ابن هشام (1/293) .

3-تفسير ابن كثير (4/96) . ط: دار الفيحاء، عام 1992م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت