فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
سيبلغ ما بلغ الليل والنهار مهما مكر الأعداء بأهله (( ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ ) ) [الأنفال: 30] .
2 ـ لم تقتصر معاهدة قريش وأذاها على أصحاب الدعوة وحدهم بل شملت كل من يعطف
عليهم أو يدافع عنهم أو يمدهم بصلة ولو سراً. ولهذا ينبغي لعموم المسلمين أن يكونوا يداً
واحدة مع علمائهم ودعاتهم يؤازرونهم وينصرونهم، وعلى الدعاة إلى الله تقوية صِلاتهم
بأكبر قدر ممكن مع جمهور المسلمين ومد الجسور إليهم بالطرق الشرعية الصحيحة حتى
يكونوا صفاً واحداً لا تخترقه سهام الأعداء. قال الله ـ تعالى ـ: (( واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا ) ) [آل عمران: 103] .
3 ـ لقد تجرع الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ مرارة هذا الحصار وتقلبوا في لظى
هذه المؤامرة الخبيثة عندما أُطبِقَ عليهم بسياج من الظلم المكشوف المتمثل في تلك الصحيفة
الجائرة، فصبروا حتى أتاهم نصر الله. لقد كانو يقدرون مسؤولية تبليغ الرسالة الملقاة على
كواهلهم، وكانوا يدركون حقيقة هذه الرسالة وطبيعتها، وأنها لا بد أن تبلَّغ للناس بجهد
من البشر، وفي حدود قدراتهم؛ فكان الصبر على مثل هذا البلاء نِعْمَ الزاد الذي يتناسب
وطبيعة الطريق. لقد كانت التربية الجادة على منهج القرآن الكريم عاملاً مهماً من عوامل
الصمود والتحدي أمام الباطل وأهله، ولقد كانت تربية النبي صلى الله عليه وسلم
لأصحابة على الصبر مقصودة في حد ذاتها؛ لأنه يعلم ـ ويريد أن يعلمهم ـ أن النصر مع
الصبر، وأن البلاء سُنَّة ماضية، وأن أهل الإيمان لا بد أن يتعرضوا للفتن تمحيصاً
وإعداداً. قال الله ـ تعالى ـ: (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) )
[العنكبوت: 2] .
4 ـ لقد تجلت التضحيات والمواقف النبيلة للثبات على المبدأ الحق عند الصحابة الكرام
بما يبهر العقول وتعجز عن وصفه الألسن، ولذلك لم يكن مثل هذا المكر السيئ والكيد
المسعور ليثنيهم عن واجب عظيم ورسالة قد آمنوا بها وأُشرِبوا حبها وعاهدوا الله على
الجهاد في سبيل نشرها. إن الثبات والاستمرار في الدعوة علامة على صدق الداعية
وإخلاصه وفهمه السليم لطبيعة الدعوة وحقيقتها، وإن التراجع أو الانتكاسة في منتصف
الطريق وعند المنعطفات الحرجة التي تمر بها الدعوة يعد علامة على ضعف الإيمان
وتزعزع اليقين وحب الدنيا والخلود إليها. يقول الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ:
(وفي أيام الشِّعب كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج ولم تشغلهم آلامهم عن تبليغ
الدعوة وعرضها على كل وفد؛ فإن الاضطهاد لا يقتل الدعوات؛ بل يزيد جذورها عمقاً،
وفروعها امتداداً، وقد كسب الإسلام أنصاراً كثراً في هذه المرحلة) (3) . فالثباتَ الثباتَ
أيها الدعاة، وعليكم بمواصلة السير والاستفادة من كل باب مفتوح لتبليغ الدعوة بالحكمة
والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن (( ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ). [آل عمران: 139] .
5 ـ لقد وقف الكفار من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم موقفاً حسناً؛ إذ دخلوا معه ومع
أصحابه في الشِّعب حمية منهم وتقديراً ـ ولا شك في ذلك ـ لما تميز به الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم من حسن الخلق وحسن المعاملة معهم. فما أجمل الإحسان إلى الناس! وما
أحق الأقربين بالمعروف! وأفضلُ الإحسان إلى هؤلاء هو دعوتهم للخير والأخذ بأيديهم إلى
رياض الإيمان. والداعية ـ بلا شك ـ معرض للأذى والخطر من أهل الشر الكارهين للدعوة
ولمن يقوم بها؛ ولذلك لا بد له من حماية. وعشيرة الداعية وأقرباؤه هم أكثر الناس
استعداداً لمثل هذه الحماية؛ وخاصة إذا مَنَّ الله عليهم بنور هذه الدعوة وصبروا على ما
يلاقون في سبيل نشرها من الأذى؛ فإنهم حينئذ في مقام كريم (( ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) [ فصلت: 35] .
6 ـ لا بد أن ندرك أن الأعداء يبذلون الكثير من المال من أجل نشر باطلهم والصد عن
سبيل الله؛ فمن أجل تلكم الأزمة الاقتصادية دُفعت الأموال الطائلة للضغط على الأجساد
والبطون، ولكنهم لم يجدوا إلى القلوب المؤمنة سبيلاً، وما زال الأعداء ولا يزالون ينفقون
بسخاء في سبيل الظلم والطغيان ونشر الكفر والإلحاد وتشجيع الفجور والإباحية عن طريق
المؤسسات الإعلامية والمؤسسات التنصيرية والمؤسسات الفكرية وغيرها؛ كل ذلك ليصدوا
الناس عن الحق (( إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) [الأنفال: 36] .
وإذا كان أهل الباطل يبذلون الكثير من المال من أجل باطلهم وفجورهم فما بال الموسرين