فهرس الكتاب

الصفحة 4508 من 9994

الجاهلية الأولى فإن من يفرضونه في جاهلية اليوم ممن يسمون بالدول الكبرى يفتقدون

بعض الخصائص التي كان يتميز بها أسلافهم من المشركين مثل المروءة والشهامة والحياء،

ويفتقد كبراؤهم بعض المبادئ الإنسانية الأولية التي يمكن أن ينبثق عنها العطف والرحمة

لهذه الشعوب، ولقد بلغت بهم الكبرياء والغطرسة مثل الذي كان بفرعون من الطغيان وإن

لم يقولوا بألسنتهم ما قاله الأول بلسانه: (( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ) [النازعات: 24] (( مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) ) [ غافر: 29] إلا أن لسان الحال شاهد

على ذلك بما لا يقبل الشك، ومكرهم أصبح مكشوفاً، ونحن نؤمن بقول الله ـ تعالى ـ:

(( ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ ) ). [ فاطر: 43] .

النوع الثاني: الحصار المعنوي للشعوب المسلمة وذلك(بإغراق الناس في الشهوات بالإعلام

الماجن الذي يشيع الفواحش وينشر الرذيلة على أمل أن ينجرف أكثر الشباب في تيار

الإباحية والفجور فلا ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين) (12) .

النوع الثالث: الحصار المادي للدعاة والعلماء؛ وهذا وإن كان مما يؤلم القلوب المؤمنة إلا أن

له فوائد عظيمة وآثاراً بعيدة المدى في صقل نفوس الدعاة المأسورين فإذا هي كالذهب

الخالص. قال الله ـ تعالى ـ: (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) ) [الرعد: 17] .

النوع الرابع: الحصار الفكري للدعاة وذلك بصد الجماهير عنهم من خلال وصفهم

بالألقاب المنفرة كالتطرف والإرهاب وغيرها، وذلك بواسطة الإعلام الذي يخدر الشعوب

ويقلب الحقائق ويفرق بين القلوب؛ فهو السحر الحديث الذي أفرزه الفكر الغربي، وهو

المصيدة التي يمكن أن تؤدي الدور بالوجه المطلوب بعد أن ترفع راية الإرهاب وتلوِّح بها

وتنادي الجميع للمشاركة في زوبعتها ليجعلوها دعوى يطعنون من خلالها في الدعوة

الإسلامية، ومعولاً يضربون به حصونها، وسيفاً مصلتاً على رقاب الدعاة والمخلصين،

وتهمة جاهزة تطرح على المجاهدين الصادقين.

إن هذا المصطلح ـ أعني الإرهاب ـ مصطلح مناسب لمثل هذا الحصار الدعوي بغضِّ النظر

عن مكان منشئه وسببه. إنه مصطلح مخيف يهز قلوب الجبناء ويسيطر على أفئدة ضعفاء

العقول؛ لأنه لفظ يوحي بالنفرة والوحشية لسامعه ومن خلال وصم الدعاة بهذا اللقب

يمكن الطعن في الجهاد الإسلامي والتشكيك في حكمته.

ويهتبل الإعلام الكاذب والمزور للحقائق فرصة كل حركة نشاز وكل حادث شاذ يقع من

بعض الجهلة أو المتعجلين من المسلمين ـ أو من غير المسلمين أحياناً ـ فيضخمه ويستغل

الحدث اليسير أبشع استغلال، من أجل الكيد للدعوة ودعاة الإسلام وشن الهجوم الكاسح

عليهم والطعن في نياتهم؛ حيث يتهم دعاة المسلمين زوراً وبهتاناً وظلماً وعدواناً بأنهم وراء

كل عمل إجرامي وكل حادث تخريبي يحدث في أي مكان من الأرض حتى تثبت براءتهم

إن كان لذلك من سبيل.

لقد نجح الأعداء إلى حد بعيد ـ وعلى مدى العشرين سنة الأخيرة تقريباً ومنذ أن ظهر

مصطلح الإرهاب والتطرف ـ في عزل الدعاة عن جماهير المسلمين عزلاً فكرياً يفوق في آثاره

العزل الحسي.

لقد جعل الأعداء شبح هذا المصطلح يطارد كل مسلم مستقيم يحافظ على أصول دينه أو

يفكر في الدعوة إليه، وجعلوا هذا المصطلح مرادفاً للتعصب المذموم والتشدد في الدين والغلو

والتنطع والبعد عن حقيقة الإسلام وصفائه، واتهموا من وصموهم بهذا المصطلح بكره

الشعوب وعامة الناس والانتقام من المصالح العامة وتدمير مقدرات الأمة والعبث بها، وبعد

أن وسّعوا دائرة هذا المصطلح بما يوافق شهواتهم وأهواءهم جعلوه عنواناً على صنف من

الناس بمواصفات خاصة تزيد في مكان وتقل في مكان آخر. ومع أن التأثير يتفاوت من بلد

لآخر إلا أن العامل المشترك هو نظرة الجميع لهذه الفئة من الناس بأنهم شواذ أو على أقل

تقدير يجب التحفظ عليهم والبعد عنهم والخوف من آرائهم المنحرفة وأفكارهم المسمومة

وحمل كلامهم دائماً على المحامل الأخرى التي تتناسب مع التفسير الإعلامي الذي يطن

في الآذان صباح مساء. ومن هنا نجح هذا الحصار الدعوي الفكري الإعلامي في عزل هذا

الفئة المؤمنة المجاهدة عن التأثير المطلوب في الجماهير المتعطشة لدينها من خلال هذا التخطيط الماكر وهذه الفكرة المسمومة.

ومن أجل هذا كان لا بد من التفكير الجاد للخروج من مأزق هذا الحصار النفسي وتحدي

هذه العقبات بتوثيق الصلة بين فئات المجتمعات المسلمة، والدعوة في صفوفهم بالأساليب

المشروعة، وكشف خطط الأعداء بإجلاء الغشاوة التي وضعها الإعلام الخبيث على أعين

الكثيرين من الغافلين؛ وذلك من أجل توضيح الحقائق وتصفية القلوب وتبليغ دين الله ـ

عز وجل ـ حتى يعم الخير ويفشو الصلاح ويقطع دابر المجرمين.

الهوامش:

(1) سيرة ابن هشام 1/371 ـ 376، طبعة دار الإفتاء، الرياض.

(2) الروض الأنف للسهيلي 2/127 ـ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت