فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 9994

وإنه لظلم لأنفسنا أن نقابل نعم الله علنيا بالكفران والنكران لا بالشكران والعرفان، فنعمة البصر ونعمة النطق سخرناها في قالة السوء، من غيبة ونميمة وكذب وزور وبهتان، وغيرها من آفات اللسان.

عبادا لله! لنتأمل جميعًا كم لله علينا من نعم ظاهرة وباطنة لا نحصي لها عدًا، ثم لننظر هل سخرنا كل نعمة فيما يرضيه، فكون من الشاكرين، أم أننا استعنا بنعم الله علينا على معاصيه - ولا حول ولا قوة إلا بالله- والله سبحانه يقول: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} سورة الرحمن (60) . ويقول تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} سورة النحل (53) . ويقول تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة النحل (18) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وحشرني وإياكم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا حمدًا، والشكر له شكرًا شكرًا، وأصلي وأسلم على خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

وبعد:

عباد الله! لتعلموا - رحمكم الله - أن الظلم محرم في جميع الأزمنة والأمكنة، ولكنه في الأشهر الحرم أشد تحريمًا من غيره؛ قال قتادة - رحمه الله - في قوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء.

وقال القرطبي: خص الله - تعالى- الأربعة الأشهر الحرم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها، وإن كان منهيًا عنه في كل زمان؛ كما قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} سورة البقرة (197) .

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} في الاثنا عشر شهرًا.

وعن محمد بن الحنفية قال: فيهن كلهن.

وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} أي جميعًا. قال ابن عطية ردًا على من قال أن الغرض بهذه الآية كان قد توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك وجعل فرض كفاية: { وهذا الذي قاله لم يعلم قط من شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ألزم الأمة جميعًا النفر؛ وإنما معنى هذه الآية: الحظ على قتالهم والتحزب عليهم، وجمع الكلمة. ثم قيدها بقوله: كما يقاتلونكم كافة} قال: بحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم.

عباد الله! ثم ختم الله الآية بإعلامه لنا بأن معيته - جل وعلا - للمتقين يحميهم ويحرسهم، ويدافع عنهم، فقال: { واعلموا أن الله مع المتقين} .

المتقون الذي راقبوا الله في جميع حركاتهم وسكناتهم، ففعلوا ما أوجب الله عليهم، وتركوا ما نهى الله عنه.

المتقون الذين أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، ولم يتلاعبوا بأحكام الله ودينه وشرعه، ولم يحتالوا على الناس في معاملتهم وبيعهم وشرائهم، ولم يغتصبوا ولم يخونوا ولم يخدعوا.

المتقون الذين صبروا على نعم السراء، فشكروا الله عليها، وصبروا على الضراء فشكروا الله عليها.

المتقون الذين خافوا من الجليل، واستعدوا ليوم الرحيل، ورضوا بالقليل، وعملوا بالتنزيل.

المتقون الذي ذكر الله أوصافهم في أوائل سورة البقرة والمؤمنون وفي سورة آل عمران، .

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا منهم. اللهم! إنا نسألك الهدى والتقوى والعفاف والغنى. اللهم! إنا أسألك قلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا على البلاء صابرًا. ونسألك قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وفي الآخرة جنة ونعيمًا.

اللهم! عاملنا بالحسنى واجمع لنا خير الآخرة والأولى..

اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين، واخذ الكفرة والمشركين، والملحدين والمبتدعين، وأصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.

اللهم! اجعلنا من عبادك المتقين الأبرار، واحشرنا في زمرة الصفوة الكرام الأخيار.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت