فهرس الكتاب

الصفحة 4684 من 9994

5.قوله: {والسائلين} جمع سائل؛ وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالاً؛ وإنما كان إعطاؤه من البر؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه؛ والسائل نوعان؛ سائل بلسان المقال: وهو الذي يقول للمسؤول: أعطني كذا؛ وسائل بلسان الحال: وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه.

6.قوله: {وفي الرقاب} أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر.

سابعاً: إقامة الصلاة:

قوله: {وأقام الصلاة} هذه معطوفة على {آمن} التي هي صلة الموصول؛ فيكون التقدير: ومن أقام الصلاة؛ و {الصلاة} المراد بها الفرض، والنفل؛ وإقامتها الإتيان بها مستقيمة؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائماً مستقيماً؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها.

ثامناً: إيتاء الزكاة:

قوله: {وآتى الزكاة} أي أعطى الزكاة مستحقها؛ و"الزكاة"أيضاً من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو -أي نما، وزاد؛ وبمعنى الصلاح؛ ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} سورة الشمس 9. أي أصلحها، وقومها؛ لكن في الشرع"الزكاة"هي التعبد ببذل مال واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة؛ وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريماً من أهل البذل، والجود، والإحسان؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعاً، وعادة؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ما نقصت صدقة من مال"2؛ وتزكي الثواب؛ كما قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة261؛ وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل"3.

تاسعاً: الوفاء بالعهد:

قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} ؛ {إذا} هنا مجردة من الشرطية؛ فهي ظرفية محضة- يعني: الموفون بعهدهم وقت العهد؛ أي في الحال التي يعاهدون فيها؛ فإذا عاهدوا وفوا. والعهد عهدان عهد مع الله، وعهد مع الخلق، فهم يوفون بالعهدين.

عاشراً: الصبر في السراء والضراء:

قوله: {والصابرين} الصبر حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة. قوله: {في البأساء والضراء وحين البأس} : {البأساء} شدة الفقر؛ ومنه"البؤس"يعني الفقر؛ و {الضراء} المرض؛ و {حين البأس} شدة القتل؛ فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة، وأمور لا طاقة لهم بها؛ {في البأساء} يعني: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء- المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائماً يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار- وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية: {الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد.

ثواب المتحلي بالصفات السابقة:

قال الله- تعالى-: {أولئك الذين صدقوا} هذه شهادة من الله -عز وجل-؛ وهي أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد -سبحانه وتعالى-؛ والمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات؛ والإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبتهم. وقوله: {الذين صدقوا} أي صدقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك.

قوله: {وأولئك هم المتقون} أي القائمون بالتقوى؛ و"التقوى"هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله -عز وجل- بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى؛ وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة؛ الجملة اسمية لدلالتها على الثبوت، والاستمرار؛ لأن الجملة الاسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها. وقوله: {وأولئك هم المتقون} هؤلاء جمعوا بين البر والتقوى؛ البر: بالصدق؛ والتقوى: بهذا الوصف: {أولئك هم المتقون} ؛ وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة"4؛ فجمعوا بين البر والتقوى؛ فهذا ما أمر الله به في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} سورة المائدة2.

فائدة:

العهود عهدان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت