فهرس الكتاب

الصفحة 4788 من 9994

قلت: وهل أعطيت مثل الذي يعطي تجار اليهود ؟ قال: وهل تمثلني باليهود ؟ قلت: وهل أعطيت مرة مالك كله ؟ فشده وفتح عينيه ، وظن أن الذي يخاطبه مجنون ، وقال: ما لي كله ؟ ولماذا أعطي مالي كله ؟ قلت: إن أبا بكر لما سئل التبرع للتسلح أعطى ماله كله .. قال: ذاك أبو بكر وهل أنا مثل أبي بكر ؟ قلت: عمر أعطى نصف ماله ، وعثمان جهز ألفاً .. فلم يدعني أكمل وقال: يا أخي أولئك صحابة رسول الله ، الله يرضى عنهم ، أين نحن منهم ؟ قلت: ألا ترى البلاد في خطر ؟ وإننا إذا لم نعط القليل ذهب القليل والكثير ؟ قال: يا أخي الله يرضى عليك اتركني بحالي .. أنا رجل بياع شراء .. لا أفهم في السياسة ، وليس لي بها صلة ، وهذا مالي حصلته بعرق جبيني ، وكد يميني ، ما سرقته سرقة ، فهل تريد أن أدفعه وأبقى أنا وأولادي وأحفادي بلا شيء ؟ قلت: ما نطلب مالك كله ، ولكن نطلب عشره .. قال: دفعت ما عليّ .. ما قصرت .. وأعرض عنا وأقبل على عمله ، يا سادة هذه حادثة أرويها لكم كما وقعت .... ومرت سبع سنوات ، وذهبت من سنتين ـ أي سنة 1953ـ إلى المؤتمر الإسلامي في القدس ، ومررنا في الطريق بمخيم اللاجئين ، وأقبل الناس يسلمون علينا ، وإذا أنا بشيخ أبيض اللحية ، محني الظهر ، غائر الصدغين ، رث الثياب ، أحسست لما التقت العينان ، كأن قد برقت عيناه برقة خاطفة ، وكاد يفتح فمه بالتحية ، ثم تماسك وأغضى .. وارتبك كأنه يريد الفرار .. فلما انتهى السلام راغ مني ودخل في غمار الناس .. ولبثت أفكر فيه من هو ؟ وأين قابلته ؟ فما لبثت أن ذكرته .. وتكشف لي المنسي فجأة ، كأني كنت في غرفة مظلمة سطع فيها النور .. إنه هو .. هو يا سادة .. وكلمته فتجاهلني ، فلما ألححت عليه اعترف ، ولم أشمت به ، ومعاذ الله ، أن يراني أنحدر إلى هذا الدرك ، ولم أزعجه بلوم ، ولكن كان في نظرتي ما يوحي بالكلام ، لذلك استبقني فقال:

ـ لا تقل شيئا ، هذا هو المقدر .. [ وليت أن الله وفقني ، ووفق ] إخواني التجار النزول عن نصف ما كنا نملك .. قلت: أولم يبق لك شيء .. فابتسم ابتسامة حزينة يقطر من حواشيها الدمع ، وقال: بلى بقي الكثير بقيت الصحة والثقة بالله ، وبقي هؤلاء وأشار إلى امرأة عجوز وطفل صغير . قلت: لا تيأس من رحمة الله ، قال: الحمد لله أن جعلنا عبرة ، ولكن أرجو أن يكون إخواننا في الشام ومصر والأردن قد اعتبروا بنا ..)

فهل يعتبر أهل المال والثراء .. فيتصدقوا وينفقوا ويجودوا بالعطاء للمجاهدين الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله يحاربون الكفار .. ويقاتلون الفجار .. فإن السعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ غيره به !!

خامساً: الدعاء: وقد نجى الله تعالى أقواماً بسبب دعاءهم .. فلولا الدعاء لهلك أقوام .. يقول الله تعالى: { قل ما يعبؤ بكم ربكم لولا دعاؤكم } [الفرقان:77] أي لولا دعاؤكم إياه .. أيها المخاطبون له وحده عند الشدائد والكروب لهلكتم ، فالله تعالى يستجيب لمن دعاه مخلصاً ولو كان كافرا كما قال تعالى: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } [العنكبوت: 65] والله تعالى يبتلي عباده حتى يرجعوا إليه ويدعوه سبحانه { وما أرسلنا من قبلك في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون } [الأعراف:94] ويقول الله تعالى: { فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ورسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة بدر لم يقل أنا رسول الله ..وأنا منصور ..كلا ..بل قام ليلته تلك رافعاً يديه .. يدعو ربه ويناجيه .. ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض .. اللهم أنجز لي ما وعدتني .. حتى سقط رداءه من على كتفيه .. فأخذه أبو بكر الصديق .. وقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي .. كفاك مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك .. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في وقت الكرب بهذا الدعاء:"لا إله إلا الله الحليم العظيم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم"رواه البيهقي ..فألحوا على الله بالدعاء ..خاصة في وقت الأسحار ..فإن الله تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل ويقول ..هل من داعي فاستجيب له ..هل من سائل فأعطيه ..وأمة الإسلام ..تعدادها ..أكثر من مليار مسلم .. ومن ظن أن الله لا يستجيب دعاء هذه الأمة .. فقد أساء الظن بربه ..وهو القائل: { ادعوني استجب لكم } فلماذا لا ترفع الأيدي بالدعاء .. ولماذا لا تسبل الأدمع الغزار في رجاء الملك الغفار ..ليهلك الظالمين .. وينتقم من النصارى واليهود الحاقدين .. ويدمر أعداء الدين وينصر أهل الإسلام المستضعفين فهل من دعاء لهذه الأمة ؟ وهل من مناجي لرفع الغمة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت