إن التوجيه السديد للمواهب والقدرات، ووضعها في محلها الملائم شرعاً، إضافة إلى مراعاة طبيعة النفس البشرية، والعلم بنوازعها ومشاعرها، عامل مهم لنجاح الدعوة فإن النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء فلابد من مراعاة »البديل« المناسب، وهذا ما فقهه ابن مسعود رضي الله عنه وغاب عن الكثيرين.
يقول ابن تيمية: »... الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه كما يأمر بعبادة الله سبحانه، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره « . (9)
كان حبيب العجمي من ساكني البصرة، وكان من أهل التجارة والأموال، حتى حضر مجلساً للحسن البصري رحمه الله، وسمع موعظته فوقعت موعظته من قلبه، فصار من أفضل زهاد أهل البصرة وعبادها.
وإليك القصة تفصيلاً:
» كان الحسن البصري يجلس في مجلسه الذي يذكر فيه كل يوم، وكان حبيب العجمي رحمه الله يجلس في مجلسه الذي يأتيه أهل الدنيا والتجارة وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من مقالته، إلى أن التفت يوماً فسأل عما يقوله الحسن البصري، فقيل له: يذكر الجنة، ويذكر النار، ويرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا، فوقر ذلك في قلبه، فقال: اذهبوا بنا إليه فأتاه، فقال جلساء الحسن يا أبا سعيد هذا حبيب قد أقبل إليك فعظه، وأقبل عليه فأقبل عليه الحسن فذكّره الجنة وخوّفه النار، ورغّبه في الخير، وزهده في الدنيا فتأثر حبيب بتلك الموعظة، وتصدق بأربعين ألفا، وقنع باليسير، وعَبَدَ الله حتى أتاه اليقين«. (10)
أخي القاريء: لعلك تلحظ صدق الحسن البصري رحمه الله في دعوته، وسلامة قصده، حتى أثرت موعظته في قلب حبيب العجمي، فنقلته تلك الموعظة الصادقة من ضجيج الأسواق، وصخب التجارة إلى أن صار عابداً زاهداً، ذا دعاء مستجاب، وكرامات مأثورة كما صار صاحب بذل وإنفاق في سبيل الله تعالى.
وما أروع مقالة مالك بن دينار في هذا المقام:
»الصدق يبدو في القلب ضعيفاً ، فيتفقده صاحبه، ويزيده الله تعالى حتى يجعله الله بركة على نفسه، ويكون كلامه دواءً للخاطئين«.
ثم قال مالك: »أما رأيتموهم؟ « ثم يرجع إلى نفسه فيقول: » بلى والله لقد رأيناهم: الحسن البصري،وسعيد بن جبير وأشباههم، الرجل منهم يحيى الله بكلامه الفِئام [ الجماعات ] من الناس« . (11)
ولما سمع زين العابدين علي بن الحسين موعظة للحسن ، قال: »سبحان الله هذا كلام صدّيق « . (12)
ولقد سئل أحد العلماء: » ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ « فقال: » لأنهم تكلموا لعز الإسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلباً للدنيا ورضا الخلق « . (13)
ومن أسباب الانتفاع بمواعظ الحسن البصري ومجالسه، أنه رحمه الله كان قدوة صالحة، ولم يكن رحمه الله ممن يقولون ما لا يفعلون ، »قيل لعبد الواحد صاحب الحسن البصري: »أي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلغ؟ وكان فيكم علماء وفقهاء «. قال: » كان الحسن إذا أمر بشيء كان أعمل الناس به وإذا نهى عن شيء كان أترك الناس له « (14)
وأمر آخر يسترعي الانتباه في هذه الحادثة ، وهو عناية الحسن بموضوعات الرقائق والزهد والسلوك ، حتى كان للحسن البصري مجلس خاص من مجالسه ، لا يكاد يتكلم فيه إلا عن معاني الزهد والنسك ، فإن سأله إنسان غيرها ، تبرم وقال: »إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر « (15)
إن غالب مواعظ الحسن ووصاياه كانت في ذم الدنيا ، والنهي عن طول الأمل ، والأمر بتزكية النفوس ، وتصحيح المقاصد والنيات.
وما أحوجنا إلى مثل تلك المواعظ والزواجر من أولئك الأئمة الأعلام وهكذا كان الوعاظ في قديم الزمان »علماء فقهاء« كما قاله ابن الجوزي . (16)
وقال الإمام أحمد بن حنبل: »ما أحوج الناس إلى قاص صدوق « (17)
ولقد كان الحسن في كثير من الأحيان يزهد في الدنيا ويحذر منها ويرغب في الآخرة ، وهذا مسلك نبوي مأثور ، فقد قال: »إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج لكم من بركات الأرض ، قيل وما بركات الأرض قال زهرة الدنيا.« (18)
ولذا كان الحسن يقول: »والله ما عجبت من شيء كعجبي من رجل لا يحسب حب الدنيا من الكبائر ، وأيم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر ، وهل تشعبت الكبائر إلا من أجلها؟ وهل عُبدت الأصنام، وعُصي الرحمن إلا لحب الدنيا، فالعارف لا يجزع من ذلها ، ولا ينافس بقربها ، ولا يأسى لبعدها « (19)
وصدق الحسن، فغالب الكبائر نابعة من حب الدنيا: فالسرقة، والزنا والحسد، والكذب ، والكبر ، والرياء وغيرها من أجل حب الدنيا ، والتكالب عليها بل إن الله تعالى قد أخبر في كتابه العزيز أن الكفر واستحقاق العذاب بسبب حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فقال تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراْ فعليهم غضب من الله ولهم عذابِ عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) . (20)