فهرس الكتاب

الصفحة 4868 من 9994

وتقدم الفريقان -على غير ميعاد- حتى أدركوا جميعًا ماء بدر، وكانت بدر سوقًا للعرب مسموعًا خبرها ومكانها، كل فريق على عدوة وطرف.

واختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منزلاً، ودعا القوم إلى النزول، وهنا هبّ صحابي ينزع من معين الحب والإيمان، وينطق من بلاغة الأدب والإقرار لمقام النبوة، هو الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح، ويقول: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-:"بل هو الرأي والحرب والمكيدة".

فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ونغور ما وراءه من القلب -الآبار-، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه فنشرب ولا يشربون، فاستحسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الرأي وفعله.

مطر من السماء

وكان مما دبّر الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- حين قدم بدرًا أن أنزل مطرًا بقدر، أما من جهة قريش فكان المطر عظيمًا، عطلهم عن السبق إلى مياه بدر، وأما ما كان مما يلي المسلمين فبالقدر الذي يثبت رمال الوادي، فلم يصب المسلمين منه إلا ما لبَّد لهم دهس الوادي وأعانهم على السير، وهو ما عناه رب العزة في قوله: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) .

استطلاع

ورغم يقين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نصر الله الذي وعده، فإنه أخذ بأسباب حكمة المقاتل الذي يتأهب، وخرج من المعسكر مع أبي بكر -كما روى ابن هشام- يستطلع خبر القوم، حتى وقف على شيخ من العرب؛ فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم؟! فقال: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما! فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إذا أخبرتنا أخبرناك"قال: أوذاك بذاك؟ قال:"نعم"، قال: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -المكان الذي فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحبه- وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به قريش-، فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"نحن من ماء"ثم انصرف عنه، قال: يقول الشيخ: من ماء؟ أمن ماء العراق؟ ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه

التوكل والإيمان والمدد

يناشد ربه

وبات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلته راكعًا ساجدًا يناشد ربه النصر؛ فقد أخرج البيهقي والماوردي بسندهما عن علي -رضي الله عنه- قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، وجاء خبر الصباح في صحيح مسلم قال:.. وقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أظهرَنا الله وأعزَّنا على عدوِّنا كان ذلك ما أحببْنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنا نلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك، ويجاهدون معك، فأثنى رسول الله عليه خيرًا، ودعا له بخير، ومشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على موضع الوقعة، فعرض على أصحابه مصارع رؤوس الكفر من قريش مصرعًا مصرعًا، يقول: هذا مصرع فلان إن شاء الله، هذا مصرع فلان إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت