فهرس الكتاب

الصفحة 4945 من 9994

فقالت المرأة: يا نبي الله .. والله ما به من حركة لشيء ..

ما زال مكتئباً .. يبكي الليل والنهار .. منذ كان من أمره ما كان ..

ومرت الأيام ثقيلة على كعب ..واشتدت الجفوة عليه ..حتى صار يراجع إيمانه ..

يكلم المسلمين ولا يكلمونه ..

ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرد عليه ..

فإلى أين يذهب ..!! ومن يستشير !؟

قال كعب رضي الله عنه:

فلما طال عليَّ البلاء .. ذهبت إلى أبي قتادة .. وهو ابن عمي .. وأحب الناس إليَّ .. فإذا هو في حائط بستانه .. فتسورت الجدار عليه ..

ودخلت .. فسلمت عليه ..

فوالله ما رد علي السلام ..

فقلت: أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟

فسكت ..

فقلت: يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟

فسكت ..

فقلت: أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟

فقال: الله ورسوله أعلم ..

سمع كعب هذا الجواب .. من ابن عمه وأحب الناس إليه .. لا يدري أهو مؤمن أم لا ؟

فلم يستطع أن يتجلد لما سمعه .. وفاضت عيناه بالدموع ..

ثم اقتحم الحائط خارجاً ..

وذهب إلى منزله .. وجلس فيه ..

يقلب طرفه بين جدرانه .. لا زوجة تجالسه .. ولا قريب يؤانسه ..

وقد مضت عليهم خمسون ليلة .. من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم

وفي الليلة الخمسين .. نزلت توبتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ثلث الليل ..

فقالت أم سلمة رضي الله عنها:

يا نبي الله .. ألا نبشر كعب بن مالك ..

قال: إذا يحطمكم الناس .. ويمنعونكم النوم سائر الليلة ..

فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر .. آذن الناس بتوبة الله علينا ..

فانطلق الناس يبشرونهم ..

قال كعب:

وكنت قد صليت الفجر على سطح بيت من بيوتنا ..

فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى .. قد ضاقت علي نفسي .. وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت ..

وما من شيء أهم إليّ .. من أن أموت .. فلا يصلي عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .. أو يموت .. فأكون من الناس بتلك المنزلة .. فلا يكلمني أحد منهم .. ولا يصلي عليَّ ..

فبينما أنا على ذلك ..

إذ سمعت صوت صارخ .. على جبل سلع بأعلى صوته يقول:

يا كعب بن مالك ! .. أبشر ..

فخررت ساجداً .. وعرفت أن قد جاء فرج من الله ..

وأقبل إليَّ رجل على فرس .. والآخر صاح من فوق جبل ..

وكان الصوت أسرع من الفرس ..

فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني .. نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه ..

والله ما أملك غيرهما ..

واستعرت ثوبين .. فلسبتهما ..

وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فتلقاني الناس فوجاً .. فوجاً ..

يهنئوني بالتوبة .. يقولون: ليهنك توبة الله عليك ..

حتى دخلت المسجد .. فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وهو يبرق وجهه من السرور .. وكان إذا سُرَّ استنار وجهه .. حتى كأنه قطعة قمر ..

فقال لي: أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ..

قلت: أمن عندك يا رسول الله .. أم من عند الله ؟

قال: لا .. بل من عند الله .. ثم تلا الآيات ..

فلما جلست بين يديه ..

قلت: يا رسول الله ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله .. وإلى رسوله ..

فقال: أمسك عليك بعض مالك .. فهو خير لك ..

فقلت: يا رسول الله ! إن الله إنما نجاني بالصدق .. وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت ..

نعم .. تاب الله على كعب وصاحبيه .. وأنزل في ذلك قرءاناً يتلى ..

فقال عز وجل:

{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } ..

ومن فرح الله بالتائبين إليه أنه لا يغفر سيئاتهم فقط .. كلا .. بل يبدل سيئاتهم حسنات .. قال عز وجل:

{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً } .. وفي البخاري أن حكيم بن حزام رضي الله عنه أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت