فإما أم تتوب منها كلها .. أو لا تتعب نفسك ..
وهذا باطل .. فإن لكل ذنب توبة .. فيمكن أن تقبل التوبة من الزنا .. مع وجود معاص أخرى .. ولكن عليه أن يجتهد في التوبة من الذنوب كلها ..
واعلم أن الوقوع في الذنب مرة أخرى بعد التوبة منه .. لا يعني أن التوبة بطلت وأن العبد ييأس ويعود إلى المعاصي .. لا .. بل يسارع إلى توبة أخرى ..
وصح في السنن .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ) ثم قرأ هذه الآية: ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) ..
المسألة الثالثة:
شروط التوبة خمسة ..
أولها: الإقلاع عن الذنب فوراً ..
وثانيها: الندم على ما فات ..
وثالثها: العزم على عدم العودة ..
ورابعها: إرجاع حقوق من ظلمهم .. أو طلب البراءة منهم ..
أما الخامس فهو:
أن تكون التوبة في وقت المهلة .. فلا تقبل عند الموت .. ولا تأمن متى ينزل بك ..
ولا تقبل عند طلوع الشمس من مغربها ..
المسألة الأخيرة ..
من أهم عوامل الثبات على التوبة .. مفارقة مكان المنكر ..
بل ومفارقة الأصحاب الذين يذكرونك به .. أو يدعونك إليه ..
وفي الصحيحين:
قصة ذلك الرجل .. الذي تلطخ بالدماء .. وقتل الأبرياء .. حتى قتل تسعه وتسعين نفساً .. ثم بدا له أن يتوب .. فشك .. هل يقبل الله توبته .. وهو الذي يتم الأطفال .. ورمل النساء .. ومزق البيوت ..
فسأل عن أعلم أهل الأرض .. فدل على رجل عابد راهب .. فأتاه ..
فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟
فرفع الراهب بصره إليه .. فإذا رجل قد ظلم العباد .. وأكثر الفساد .. حتى قسى قلبه .. وكبر ذنبه .. فقال الراهب: لا .. ليست له توبة ..
فغضب هذا الرجل .. وقتله .. فكمل به مائة ..
ومضى من بين يدي الراهب ..
ثم بدا له أن يتوب .. فسأل عن أعلم أهل الأرض ..
فدُلَّ على رجل عالم .. فأتاه ..
فقال: إنه قتل مائة نفس .. فهل له من توبة ؟
فقال العالم: نعم .. نعم .. ومن يحول بينك وبين التوبة ؟!!
ولكن .. انطلق إلى أرض كذا وكذا .. فإن بها أناساً يعبدون الله .. فاعبد الله معهم ..
ولا ترجع إلى أرضك .. فإنها أرض سوء ..
فانطلق الرجل التائب .. حتى إذا انتصف في الطريق .. نزلس به الموت .. فخر صريعاً ميتاً ..
فاختصمت فيه ملائكة الرحمة .. وملائكة العذاب ..
فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً .. مقبلاً بقلبه إلى الله ..
وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط ..
فأتاهم ملك في صورة آدمي .. فجعلوه بينهم حكماً ..
فقال: قيسوا ما بين الأرضين .. فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ..
فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي .. وإلى هذه أن تقربي ..
فقاسوه .. فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ..
فقبضته ملائكة الرحمة ..
فانظر كيف قال له العالم: فارق بلدك .. واخرج من أرضك فإنها أرض سوء ..
وكذلك من كان يريد أن يتوب من الزنا .. لا بد أن يفارق أماكن الاختلاط .. ومن أراد أن يتوب من ترك الصلاة .. أو من سماع الغناء .. أو من أكل الربا .. أو يتوب من أنواع الشرك .. كل هؤلاء .. لا بد أن يفارقوا كل ما يعينهم على تلك المعاصي ..
أسأل الله بأسمائه الحسنى .. أن يقسم لنا من خشيته ما يحول به بيننا وبين معصيته .. ومن طاعته ما يبلغنا به جنته .. وأن يغفر لنا ذنوبنا .. وإسرافنا في أمرنا .. وأن يغنينا بحلاله عن حرامه .. وبفضله عمن سواه .. وأن يتقبل توبتنا .. ويغسل حوبتنا .. إنه سميع مجيب .. وصلى وسلم على النبي الأمي محمد .. وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبه:
د. محمد بن عبد الرحمن العريفي