فهرس الكتاب

الصفحة 4962 من 9994

"إن أحكام التشبه على جهة التفصيل لا يمكن استقراؤها، لأن كل حالة من أحوال التشبه لها حكم يعرض على النصوص وعلى قواعد الشرع من قِبَل أهل العلم والفقه في الدين, ولكن هناك بعض الأحكام العامة التي تنتظم جميع أنواع التشبه في الجملة، لا على جهة التفصيل، على النحو التالي:"

أولاً: من أنواع التشبه بالكافرين ما هو شرك أو كفر، كالتشبه في العقائد، والتشبه في بعض العبادات، وكالتشبه باليهود والنصارى والمجوس في الأمور المخلة بالتوحيد والعقيدة، كالتعطيل والإلحاد والحلول, وتقديس الأشخاص من الأنبياء والصالحين وعبادتهم ودعائهم من دون الله، وكتحكيم الشرائع والنظم البشرية، كل ذلك إما شرك وإما كفر.

ثانيًا: من التشبه ما هو معصية وفسق، كتقليد الكفار في بعض العادات، كالأكل باليد الشمال، والشرب بها، والتختم بالذهب، والتحلي به للرجال، وحلق اللحى، وتشبه النساء بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء، ونحو ذلك.

ثالثًا: ما هو مكروه، وهو ما تردد الحكم فيه بين الإباحة والتحريم، على سبيل عدم الوضوح في الحكم، أعني أنه قد تتردد بعض أنماط السلوك والعادات والأشياء الدنيوية بين الكراهة وبين الإباحة، فهذا دَفْعًا لوقوع المسلمين في التشبه، يبقى حكمه مكروهًا.

رابعًا: ما هو مباح، وهو ما ليس من خصائصهم من أمور الدنيا، أي: ليس فيه سمة تخصهم وتميزهم عن المسلمين الصالحين، وما لا يجر إلى مفسدة كبرى على المسلمين أو إلى منفعة للكفار تؤدي إلى الصغار للمسلمين، ونحو ذلك. ومن المباح: الإنتاج المادي البحت والعلوم الدنيوية البحتة" [3] ."

[1] أخرجه أحمد (2/50) ، وأبو داود في اللباس، باب: في لبس الشهرة (4031) ، وعبد بن حميد (1/267) ، والبيهقي في الشعب (2/75) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (25/331) :"هذا حديث جيد"، وقال العراقي في تخريج الإحياء (1/342) :"سنده صحيح"، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (10/271) ، وصححه الألباني في حجاب المرأة المسلمة (ص104) .

[2] مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (3/40) .

[3] رسالة (من تشبه بقوم فهو منهم) (ص 20-23) .

سادسًا: ضوابط وقواعد:

لكي تكون مسألة التشبه بالكفار واضحة جلية لجميع الناس ذكر العلماء جملة من الضوابط والقواعد الشرعية من خلال استعراض الأدلة من القرآن الكريم ثم من السنة النبوية الصحيحة الواردة في النهي عن تشبه المسلمين بالكفار، وإجماع المسلمين في العصور الفاضلة على ذلك, ومن تلكم الضوابط والقواعد ما يلي:

أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر وهو الصادق المصدوق أن هذه الأمة لا بد أن تتبع سنن من كان قبلها من الأمم الأخرى.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) )، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟! ) ) [1] .

قال ابن حجر:"والذي يظهر أن التخصيص إنما وقع لجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم واتباعهم طرائقَهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم" [2] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ) )، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (( ومن الناس إلا أولئك؟! ) ) [3] .

قال ابن تيمية:"فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم" [4] .

قال ابن بطال:"أعلَمَ صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس" [5] .

قال ابن حجر:"وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم، وسيقع بقية ذلك" [6] .

ثانيًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن طائفة من أمته ستبقى مستمسكة بالحق.

فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) ) [7] ، وفي حديث معاوية رضي الله عنه: (( لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم ) ) [8] .

قال ابن تيمية:"أخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارًا عن جميع الأمة, [وقد] عُلِم بخبره الصادق أن في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا, وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود، أو شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضًا، بل قد يكون الانحراف كفرًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ" [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت