وعليه فقد يكون من السياسة الشرعية في الشأن الصومالي ـ وأي شأن مشابه له مشترك معه في مناط الحكم ـ أن يعمد الإخوة القائمون على حركة المحاكم الإسلامية بالتنازل عن السلطة، أو بتسليم مقاليد الأمر للحكومة المؤقتة أو من يقوم مقامها، ولو كمرحلة أولى، بعد أخذ الضمانات الكافية في عدة أمور، من أهمها: التأكيد على هوية البلاد الإسلامية من خلال الدستور، وكذا التأكيد على نص الدستور لتحكيم الشريعة الإسلامية، ومنح ميزات للجهاز القضائي من أهمها استقلاله ـ بنص الدستور كذلك ـ، ووضع الضمانات الكافية لعدم اختراق أهل الحل والعقد ـ وهم العلماء والقضاة ـ لضمان استقلاليتهم، ومقدرتهم على الأخذ بزمام المبادرة إذا ما عصفت بالبلاد العواصف.
وعليه فقد يكون من السياسة الشرعية كذلك، أن يعمل الإخوة هناك بقاعدة التدرّج في تطبيق بعض الأحكام الشرعية. ومسألة التدرج هذه من أعوص المسائل وأشكلها، وتحتاج إلى بحث مستقل، حبذا أن ُتبحث من قبل أهل الحل والعقد الذين يواجهون مشكلات قد تتطلب إناطة كيفية تطبيق الأحكام بها. فمنع المنكرات ـ مثلاً ـ لاسيما هذا القات الذي ابتلي به كثير من أهل الصومال، لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، فقاعدة تزاحم المصالح والمفاسد هنا توجب التَّرّوي في منع هذا المنكر بالكلية وعلى البت، وهذا يُعمل به حتى مع القول بعدم الأخذ بالتدرّج في تطبيق أحكام الشريعة بعد المرحلة المكية، فيمكن مثلاً ـ وأنتم لا شك أعلم بذلك ـ وضع رسوم باهظة على بيع القات، ووضع عقوبات على من ارتكب جرماً بسببه، ولنا في الطريقة القرآنية في منع الخمر خير مثال، فيمكن ـ مثلاً ـ منع تعاطي القات في أوقات معينة مع ما تقدم، وهكذا...المقصود ألاَّ يأخذنا الحماس في تطبيق الشريعة، أو منع المنكر لفعل ما يؤدي إلى منكر أعظم، وهذا ممّا اتفقت عليه كلمة العلماء، وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «إنما نزل أول ما نزل من سورة المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء «لا تشربوا الخمر» لقالوا: لا نترك الخمر أبداً. ولو نزل «لا تزنوا» لقالوا: لا ندع الزنا أبداً.». ومن خير الأمثلة التي تشبه واقعنا ووصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض البلاد؛ وصول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز إلى سدة الحكم بعد فترة من الابتعاد ـ النسبي ـ عن نهج النبوة في الحكم، فقد قال له ابنه عبد الملك يوماً: «ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق» وكأنه قال له: لِمَ لا تطبق الشريعة تطبيقاً فورياً؟ بصرف النظر عن النتائج! فجاءت إجابة فقيه مسدد حكيم: «لا تعجل يا بني! فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرَّمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة» .
ولنتذكر جميعاً أن الشعب الصومالي رزأَ أزمنة في ظل أوضاع ومؤثرات تفرز خليطاً غريباً من الشخصيات، فقد عاش الجيل مدة طويلة تحت حكم طاغية، ثم نشأ جيل آخر منه لا يعرف إلا العَوَز، ولا يفهم إلا لغة العنف والأخذ بقوة، الأمر الذي يوجب صبراً طويلا في التعامل مع هذا الجيل، والعمل بقاعدة {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، لاسيما مع الأفراد... وربما تحتاجون لدراسة شرعية عميقة تتعلق بأحكام المظالم والدماء التي وقعت بين الناس أثناء فترات الحروب تلك.
ثم ليُعلم أن تطبيق أحكام الشريعة لا يقتصر على منع المنكرات، وإقامة الحدود، وتطبيق العقوبات الشرعية، كما يساء فهمه؛ بل الأمر أعم من ذلك بكثير، فهناك توفير احتياجات الناس الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن، فالتوزيع العادل للثروة، وأخذ الزكاة وصرفها على المستحقين، ومنح الناس الحرية المضبوطة في التعبير عن آرائهم وأفكارهم، وحتى عن نقدهم للحكام والمسؤولين، وتوفير آليات فعَّالة للتظلم، والسهر على مصالح الخلق، كل ذلك من تطبيق الشريعة... ولا شك أن الأمر أوسع من أن يحويه مقال كهذا.
4 ـ لا يخفى ـ على ما شرَّفكم الله به من علم وفقه ـ أن انتصاركم هذا ليس مجرد انتصار محدود في شأن داخلي؛ بل إنما هو حدث قد يكون مفصلياً في تاريخ القرن الأفريقي، فالصومال تمثل دولة من أهم دول هذا القرن، لعدة أمور لا تخفى على أحد؛ فنسبة المسلمين المقاربة لـ 100% ومساحة البلاد الشاسعة، وموارده التي حباها الله له، وسواحله التي تعتبر أطول سواحل لبلد إفريقي، وقربه من منطقة البحيرات، ومنابع نهر النيل، وقربه كذلك من (السودان) بتوجهه الإسلامي، والذي يمكن أن يمثل معكم فكَّيْ كماشة لكل من (إريتريا) و (الحبشة) وربما (كينيا) ، وكل ذلك يجعل أعين القوى الصليبية يقِظة كل اليقَظة لجميع ما يجري فيه، وغير بعيد عنكم الوجود الأمريكي في بلادكم، الأمر الذي يوجب يقَظَةً غير عادية في التعامل مع ما وصلتم إليه، وما ينتظركم.