هل يتصور أن يأتي صاحب الملايين فيأكل حقوق العمال المساكين، ويمنع عنهم أجورهم البسيطة؟
يأكل الطعام الشهي، ويطعمهم الخبز اليابس، يتعامل معهم كما يتعامل مع الدواب تماماً، فأين الإسلام؟ أين معنى الصلاة؟ أين أثر الإيمان الخالد؟
لماذا لا نسأل أنفسنا، أليس الله بقادر على أن يحوّل الحال فيصبحون هم الأغنياء، ونحن الفقراء، ويجعلهم هم الأثرياء ونحن المساكين وتلك الأيام نداولُها بين الناس [آل عمران:140] . فلابد أن نضع في حسابنا أنه يمكن في مرحلة من مراحل القضاء والقدر أن نصل إلى هذا المستوى، فنسافر إلى بلادهم طلباً للرزق.
وهناك سؤال آخر، ألا نسْتبْقِ نعمة الله علينا، ألا نشكره أن جعلنا في هذا الوضع وفي هذه المعيشة الهنية والحياة الرغيدة؟
رجل عنده الملايين يمارس الظلم والجبروت على هؤلاء العمال المساكين ألا يسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( من استرعاه الله رعية فمات هوه لها غاش حرم الله عليه الجنة ) ) [1] .
فلا حيّا الله تلك الثروات الطائلة، إذا كانت مبنية على الظلم والكبر والعتو.
فيا أيها الناس:
ارفعوا الظلم عن هؤلاء المساكين، من كانت عنده مؤسسة، أو شركة، أو كان لديه عمال تحت كفالته فليتق الله فيهم.
ارفعوا الظلم فإن الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: (( الظلم ظلمات يوم القيامة ) ) [2] . ويقول: (( وفي كل كبد رطبة أجر ) ) [3] . إن أطعمت كلباً يمكن أن يكون ذلك سبباً لدخولك الجنة.
زنت امرأة من بني إسرائيل وأسرفت على نفسها وعصت ربها، وفي يوم مرت بكلب يلهث من العطش، يأكل الثرى، يمد لسانه إلى الطين، فدلت الدلو في البئر ونزعته وسقت الكلب، فغفر الله لها [4] .
هذا مع الكلاب في عالم الكلاب، فكيف بعالم البشر، وكيف بعالم المسلمين.
وفي صحيح مسلم قال النبي: (( دخلت امرأة النار في هرّة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا سقتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) ) [5] .
وهذا في عالم القطط، فكيف بالذي يترك الإنسان بلا طعام ولا شراب ولا مأوى.
ثم إن هؤلاء العمال لماذا نتركهم يعملون أثناء الصلوات المفروضة، ألا نتقي الله فيهم، أليسوا مسلمين؟ أليسوا مطالبين بالصلاة؟ نمر بكثير من العمارات التي تُبنى، فنرى العمال يحملون آلاتهم ثم لا يلبون ذلك النداء العظيم، من المسؤول عن هذا؟ إن هذا جرح لمشاعر المسلمين، وانتهاك للمنهج الرباني الخالد.
ألا فارفعوا الظلم عن هؤلاء، (( الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) ) [6] . قفوا مع هؤلاء المساكين، لبوا طلباتهم، عيشوا مأساتهم، أحسنوا إليهم، فإن ربكم - تبارك وتعالى - مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل:128] .
اللهم صلّ على المعصوم، وبلغه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي العشرة المبشرين، وعن سار الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوك وكرمك ومنّك يا أرحم الراحمين.
[1] أخرجه البخاري (8/107) ومسلم (1/125) رقم (142) .
[2] أخرجه البخاري (3/99) .
[3] أخرجه البخاري (3/77) ، ومسلم (4/1761) رقم (2244) .
[4] أخرجه مسلم (4/1761) رقم (2245) .
[5] أخرجه البخاري (3/77) ، ومسلم (4/1760) رقم (2242 ، 2243) .
[6] أخرجه الترمذي (4/285) رقم (1924) قال الترمذي: حسن صحيح ، وأبو داود (4/285) رقم (494) ، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (3522) .