فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فأخذه فقبله .. ثم جعله على صدره .. وقال: أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. ثم شهق ومات ..
نعم .. مات أبو بصير .. ولم يذق من لذة الدنيا شيئاً ..
مات .. وهو قد خدم الدين .. وجاهد لرب العالمين ..
مات .. لكنه استراح من عناء هذه الدار .. ويرجى أن يكون في دار القرار ..
ينظر فيها إلى وجه رب الأرض والسماء .. الذي سفك من أجله الدماء .. ومات مشرداً في الصحراء ..
ولإن غلقت دونه أبواب الأرض .. فلعله فتحت له أبواب السماء ..
قال الله: { هذا ذكر وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } ..
فطوبى لأبي بصير .. من يثبت اليوم مثل ثباته ..
شابٌ أسعده الله بطاعته .. وحفظه برعايته .. وتولاه بعنايته ..
همه في الجد والطلب .. وبدنه في الصلاة والقُرَب ..
فلو رأيت بكاءه في الخلوات .. وعند تلاوة السور والآيات ..
لسمعت لصدره أنات .. ورأيت في وجهه حسرات ..
أذاقه الله طعم محبته .. ونعمه بمناجاته ..
فقطعه ذلك عن الشهوات .. وجانب اللذات ..
فهو راضٍ كل الرضا .. وإن اشتد عليه البلا ..
وأنت يا من لم تبتلى ببلائه .. ولم تُضَرَّ بضرائه ..
يا من تتقلب في النعم .. ولا تخشى النقم ..
يا من تنادى في الليل والنهار .. لطاعة العزيز الغفار ..
أنت يا من ملت منك الشهوات .. وتتابعت الزلات وعظمت السيئات .. أما آن لك أن تتوب .. وتترك الذنوب وتئوب ..
وربك ينظر إليك ويرقب .. ويسخط ويغضب .. والملائكة تسجل وتكتب .. وتحصي وتحسب ..
وأنت سادر في غفلاتك ..
أفلا تصبر على فراق لذة لراحة عظيمة .. وجنات كريمة ..
فاصبر قليلاً إنما هي ساعة فإذا أصبت ففي رضى الرحمن
فالقوم كانوا يألمون ويصبرو * ن وصبرهم في طاعة الرحمن
فاتعب قليل حياتك الدنيا تجد * راحاتِها وسرورَها بجنان
بالله ما عذر أمريء هو مؤمن * حقا بهذا ليس باليقظان
بل قلبه في رقدة فإذا استفا * ق فلبسه هو حلة الكسلان
كانوا يطيعون الله .. ويقدمون لأجله أرواحهم .. ويبذلون أموالهم .. وأبدانهم ..ولا يمنون عليه ذلك .. فهم المؤمنون حقاً ..
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ..
ومهما اشتد البلاء .. فهو قليل ما دام أن الجنة هي الجزاء ..
يستشعر العبد وقت بلائه .. أن الله قريب مجيب .. يسمع أناته .. ويجيب دعواته ..
يعظم له أجرَه .. ويضع عنه وزرَه .. والله لا يضيع أجر المحسنين ..
فمن تصبر على مفارقة الشهوات .. وغض بصره عن المحرمات .. وحفظ سمعه عن الأغنيات ..
وعف فرجه عن الفواحش والآثام ..ويده ورجله عن مواقعة الحرام..
بل من حاسب نفسه بما نظرت إليه عيناه .. أو سمعته أذناه ..
أو مشت إليه رجلاه .. أو لمسته يداه ..
من كان يعلم أن الله للعباد بالمرصاد .. يناقشهم الحساب ..
يراقب النظرات واللحظات .. والكلمات والهمسات ..
يحاسبهم على مثاقيل الذر .. ويراهم في البر والبحر ..
فمن كان هذا حاله ..خف في القيامة حسابه .. وحضر عند السؤال جوابه .. وحسن منقلبه ومآبه ..
وليبشر بالنعيم المقيم .. بجوار الحليم الكريم .. الذي يهون معه كل عذاب وبلاء ..
في السنة العاشرة من الهجرة ..
خرج مسيلمة الكذاب في اليمامة .. في نجد من الجزيرة العربية ..
فادعى النبوة .. وأنه رسول أنزل عليه قرآن ..
ومن قرآنه أنه كان يقول: والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ، واللاقمات لقماً ..
ويهذي هذياناً .. يسميه قرآناً .. فاستخف قومه فأطاعوه ..
فاتبعه سفهاء رعاع .. حتى صار له جند وأتباع ..
فاغتر بقوته .. وتطاول بسطوته .. فأرسل بكتاب إلى النبي .. يقول فيه: ( من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله .. سلام عليك .. أما بعد فاني قد أشركت في الأمر معك .. وإن لنا نصفَ الأرض .. ولقريشٍ نصفَ الأرض .. ولكن قريشاً قوم يعتدون ) ..