5-يشرع دفع المار ولو لم يكن هناك مسلك غَيْرُ الذي يريد المرور منه. يؤيد ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه فدفع أبو سعيد في صدره فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يديه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان""
6-حكم المار بين يدي المصلي كحكم العدو الصائل يدفع بما يرده، فقَوْله: فَلْيُقَاتِلْهُ"أَيْ يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدّ مِنْ الْأَوَّلِ"...."وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَال عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَالْخُشُوعِ فِيهَا ا.ه. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَة وَاسْتَبْعَدَ اِبْن الْعَرَبِيِّ ذَلِكَ فِي"الْقَبَسِ"وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ الْمُدَافَعَةِ. وَأَغْرَبَ الْبَاجِيُّ فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْمُقَاتَلَةِ اللَّعْن أَوْ التَّعْنِيف. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُبْطِل، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْعَنُهُ دَاعِيًا لَا مُخَاطِبًا، لَكِنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ..."17
قال في الفتح: وصَرَّحَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوه ُ فَإِنْ أَبَى فَبِأَشَدَّ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ. فَلَوْ قَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ مُقَاتَلَتَهُ، وَالْمُقَاتَلَةَ الْمُبَاحَةَ لَا ضَمَانَ فِيهَا. وَنَقَلَ عِيَاض وَغَيْره أَنَّ عِنْدَهُمْ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
7-لا يجوز للمصلي المشي من مكانه ليدفعه، ونقل في ذلك الاتفاق، قال في الفتح:"وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانه لِيَدْفَعَهُ، وَلا الْعَمَل الْكَثِير فِي مُدَافَعَتِهِ، لأَنَّ ذَلِكَ أَشَدّ فِي الصَّلاةِ مِنْ الْمُرُورِ"18.
8-وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَرَّ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، لِأَنَّ فِيهِ إِعَادَةً لِلْمُرُورِ، وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَدَّهُ فَامْتَنَعَ وَتَمَادَى، لَا حَيْثُ يُقَصِّرُ الْمُصَلِّي فِي الرَّدِّ.19
9-المرور بين يدي المصلي ينقص أجر الصلاة ولا يبطلها:"وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود"أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ"وَرَوَى أَبُو نُعَيْم عَنْ عُمَرَ"لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إِلَّا إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ". فَهَذَانِ الْأَثَرَانِ مُقْتَضَاهُمَا أَنَّ الدَّفْعَ لِخَلَلٍ يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْمُصَلِّي، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَارِّ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مَوْقُوفَيْنِ لَفْظًا فَحُكْمُهُمَا حُكْم الرَّفْعِ، لِأَنَّ مِثْلَهُمَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْي."
هذا والله نسأل أن يوفقنا للخير، وأن يجنبنا الضير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
1 -قال ابن رشد في كتابه بداية"المجتهد ونهاية المقتصد" (1/82) : (واتفق العلماء بأجمعهم على استحباب السترة بين المصلي والقبلة إذا صلى منفرداً كان أو إماماً؛ وذلك لقوله -عليه الصلاة والسلام-:(إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل) ، واختلفوا في الخط إذا لم يجد سترة,فقال الجمهور: ليس عليه أن يخط، وقال أحمد بن حنبل: يخط خطاً بين يديه)، وقال بوجوبها وأحمد في إحدى الروايتين عنه والبخاري، ومن المعاصرين العلامة الألباني، رحمة الله عليهم، انظر صفة صلاة النبي (صـ 82) .
2 -البخاري، وأحمد.
3 -متفق عليه.
4 -صحيح ابن خزيمة، وقال الألباني: سنده جيد، انظر: صفة صلاة النبي (صـ 82) .
5 -رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود رقم (643) .
6 -صفة صلاة النبي للألباني (صـ 82) .