فهرس الكتاب

الصفحة 5261 من 9994

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بين المجاهدين ويتخذهم لنفسه سبحانه فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم بقربه ثم هم شهداء يتخذهم الله ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس يستشهدهم فيؤدون الشهادة يؤدونها أداء لا شبهة فيه ولا مطعن عليه ولا جدال حوله يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة على أن ما جاءهم من عنده الحق ; وعلى أنهم آمنوا به وتجردوا له وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه ; وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق ; وعلى أنهم هم استيقنوا هذا فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال وكل من ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يقال له أنه شهد إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلها ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من الله فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد ; وأخص خصائص العبودية التلقي من الله ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد بما أنه رسول الله ولا يعتمد مصدرا آخر للتلقي إلا هذا المصدر ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض كما بلغها محمد ص فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس والذي بلغه عنه محمد ص هو المنهج السائد والغالب والمطاع وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثاء فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله فهو إذن شهيد أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها واتخذه الله شهيدا ورزقه هذا المقام هذا فقه ذلك التعبير العجيب ويتخذ منكم شهداء وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومقتضاه لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع ، { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } ،

والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك بوصفه أظلم الظلم وأقبحه وفي القرآن إن الشرك لظلم عظيم وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال"أن تجعل لله ندا وهو خلقك"، وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين ; فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد لها مناسبتها الحاضرة فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه وهذا هو مقام الاستشهاد وفي هذا تكون الشهادة ; ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين وستارا لقدرته في هلاك المكذبين ، { وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } ،

والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز التمحيص عملية تتم في داخل النفس وفي مكنون الضمير إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه ومخابئها ودروبها ومنحنياتها وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها وحقيقة ما استكن فيها من رواسب لا تظهر إلا بمثير وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية

ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية وفي مواجهة الأحداث الواقعية إن في نفسه عراقيل لم تمحص وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ليعاود المحاولة في سبكها من جديد على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة والله سبحانه كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض فمحصها هذا التمحيص الذي تكشفت عنه الأحداث في أحد لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها ويمحق الكافرين تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق وخلص من الشوائب بالتمحيص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت