قال ابن تيمية:"اعلم أنه قد ذكر الله تعالى لفظ سننه في مواضع من كتابه فقال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [الإسراء:77] ، وقال تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب:38] ، وقال تعالى: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب:61- 62] ، وقال تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر:43] ."
فهذه كلها تتعلق بأوليائه: كمطيعيه وعصاته، كالمؤمنين والكافرين، فسنته في هؤلاء إكرامهم، وسنته في هؤلاء إهانتهم وعقوبتهم.
وهذه السنن كلها تتعلق بدينه وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وليست هي السنن المتعلقة بالأمور الطبيعية، كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات، فإن هذه السنة ينقضها إذا شاء بما شاءه من الحكم"."
ومن السنن المتعلقة بدينه وأمره ونهيه ووعده ووعيده ما يلي:
ـ سنة الله في اتباع هداه والإعراض عنه.
ـ سنة الله في التدافع بين الحق والباطل.
ـ سنة الله في الفتنة والابتلاء.
ـ سنة الله في الظلم والظالمين.
ـ سنة الله في الاختلاف والمختلفين.
ـ سنة الله في الترف والمترفين.
ـ سنة الله في الاستدراج.
ـ سنة تقليد الغالب بالمغلوب وغيرها.
رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن (4864) ، ومسلم في صفة الجنة والنار (2800) .
رواه البخاري في الوضوء (200) واللفظ له، ومسلم في الفضائل (2279) .
منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد صامل السلمي (62-63) .
جامع الرسائل (1/49-52) بتصرف.
السنن الإلهية (ص18-20) .
ثالثا: من القواعد العامة في سنن الله تعالى:
1-تتسم بالعدالة التامة:
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَاكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس:40] .
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] .
وقال سبحانه: {ذالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:53] .
قال قتادة:"إنما يجيء التغيير من الناس، والتيسير من الله، فلا تغيروا ما بكم من نعم الله".
وقال القرطبي:"أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير: إما منهم، أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة، فليس معنى الآية: أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم إذا كثر الخبث ) )والله أعلم".
وقال ابن القيم:"فصل: في بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده:"
وجماع هذا: أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغي فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ولا مريدا لها، والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله لا لمعوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا لتكثر بك ولا لتعزز بك، ولا يخاف الفقر ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق، ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليك واستغنائه، بحيث إذا أخرجه أثر ذلك في غناه، وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك، وأنت المعوق لوصول فضله إليك، وأنت حجر في طريق نفسك، وهذا هو الأغلب على الخليقة؛ فإن الله سبحانه قضى فيما قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وأنه ما استجلبت نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته، وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنما أنت المسبب في سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، {ذالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فما أزيلت نعم الله بغير معصيته.
فآفتك من نفسك، وبلاؤك من نفسك، وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك، وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك كما قيل:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه"."