فهرس الكتاب

الصفحة 5292 من 9994

ولم هذا الوعيد ؟ إنه فكر وقدر أي: إنما أرهقناه صعودًا لأنه حين طُلب منه أن يقول في القرآن «فكّر» ماذا يقول، «وقدّر» أي تروى في التفكير، ومِن ثمّ دعا اللهُ عليه بالهلاك، ودعاءُ اللَّه قضاءٌ محكمٌ: فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر، ثم نظر أي أعاد النظرة والتروي، ثم عبس وبسر أي قبض بين عينيه وقطب جبينه كالمفكر في أمر يهمه، ثم أدبر واستكبر أي صُرِفَ عن الحق، ورجع القهقري مستكبرًا عن الانقياد للقرآن، «فقال» بعد هذا التفكير الطويل: إن هذا إلا سحر يؤثر أي: إن هذا إلا سحرٌ ينقله محمدٌ عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم: إن هذا إلا قول البشر وما هو من عند اللَّه، قال تعالى: سأصليه سقر أي سأغمره فيها من جميع جهاته، كما قال تعالى عن أهل النار: لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غوا [الزمر: 16] .

وقال تعالى: لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل، وقال تعالى: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها [الكهف:29] ، وما أدراك ما سقر؟ هذا سؤالٌ لتهويل أمرها وتفخيم شأنها: لا تبقي ولا وتذر أي لا تُبقي ممن يدخلها لحمًا ولا عظمًا، ولا تذر منهم شيئًا أبدًا، إنما تنسفهم نسفا، وتبلعهم بلعًا، ثم يعيدهم اللَّه كما كانوا، كما قال تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب [النساء:56] ، لواحة للبشر أي تلفح وجوههم لفحًا فتتركها أسود من الليل البهيم، كما قال تعالى: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون [المؤمنون:104] ، عليها تسعة عشر أي من الزبانية الموصوفين في آية أخرى بأنهم غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم:6] .

قال ابن القيم رحمه اللَّه في «إغاثة اللهفان» (14/1) : «أخبر اللَّه سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدّة الملائكة الموكّلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين، فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم، وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلقّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فتقوم الحجةُ على معاندهم، وينقادُ للإيمان من يرد اللَّه أن يهديه، وزيادة إيمان الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به» .

فهذه أربع حكم: فتنةُ الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادةُ إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب.

والخامسة: حيرةُ الكافرين ومَنْ في قلبه مرضٌ، وعَمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ماذا أراد الله بهذا مثلا.

وهذا حالُ القلوب عند ورود الحق المنزّل عليها: قلبٌ يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلبٌ يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلبٌ يتيقنه، فتقوم عليه به الحجة، وقلبٌ يوجب له حيرةً وعمًى، فلا يدري ما يراد به. اهـ.

والمراد بمرض القلب هنا مرض الشبهات التي تجعل القلب مرتابًا شاكًا حائرًا، كما قال تعالى عن المنافقين: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [البقرة 10] ، وقال تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون [التوبة: 124، 125] .

وهناك نوعُ ثانٍ من أمراض القلوب وهو مرض الشهوات التي تجعل القلب يعشق الحرام ويرغب فيه ويحرص عليه ويبحث عن أسبابه، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا [الأحزاب: 32] .

وقوله تعالى: كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء أي: كما أضلّ اللَّه من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدّق كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون [البقرة: 26، 27] .

وقوله تعالى: وما هي إلا ذكرى للبشر يعني النار تذكرةٌ وعظةٌ للبشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت