فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» .
[متفق عليه]
وقوله تعالى: ورتل القرآن ترتيلا أي اقرأه على تمهّل، فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره، وهكذا كان يقرأ صلى الله عليه وسلم، حتى إنه كان يقرأُ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، كما قالت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها. [رواه مسلم]
وعن أنس أنه سُئل عن قراءة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدًا، ثم قرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم» يمدّ بسم اللهُ، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم.
[رواه البخاري]
وقال صلى الله عليه وسلم: «يُقال لصاحب القرآن: اقرأْ وارْق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» . [رواه الترمذي وأبو داود]
فعلى الدعاة أن يحرصوا على تلاوة القرآن وترتيله، في القيام وغيره، فإنّ قراءة القرآن قربة من أعظم القرب، وعبادةٌ من أجل العبادات، يُعْطِي الله عليها ما لا يعطي على غيرها، من الأجر والثواب، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عظم هذا الأجر بقوله: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرف» . [رواه الترمذي]
والداعية الأحفظ للقرآن، والأحسن ترتيلاً له، هو الأملك لقلوبِ السامعين، والأكثر تأثيرًا فيهم، فعلى الدعاة أن يكون القرآن في صدر أحدهم كالمصحف في يديه، فإنّ القرآن هو سلاح الداعية، وزاده الذي لا ينفد.
ثم كشف الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عما بعد هذا الجهاد من الحكمة فقال: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا يحتاج إلى استعداد طويل، وهو هذا القرآن: إنه ثقيلٌ في تكاليفه، ثقيل في أوامره، ثقيل في نواهيه، وكان ثقيلاً عليه صلى الله عليه وسلم ساعة نزوله، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصمُ عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا» . [متفق عليه]
وقال زيد بن ثابت:: «أنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن تَرَضَّ فخذي» . [البخاري]
فإن قيل: فهلا اكتفى في استعداده لهذا الأمر بالصلاة وقراءة القرآن في النهار بدلاً من الليل؟ فالجواب: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا، فرق كبيرٌ جدًا بين العبادة في الليل والعبادة في النهار، فالعبادة في الليل أقرب ما تكونُ إلى الخشوع، حيث يقوم لها الإنسان بعد نوم، فيكون قد استراح من تعب النهار وكدحه فيه، وأيضًا سكون الليل يُعين على الخشوع، فيستطيع أن يجمع قلبه، ويقبل بكليته على الله تعالى، وهذا شيءٌ ملموسٌ ومحسوسٌ، لا يحتاج إلى برهان، وقوله تعالى: إن لك في النهار سبحا طويلا أي: ترددًا في حوائجك ومعاشك، يوجب اشتغال قلبك، وعدم تفرغه التفرغ التام، فلينقض النهار في هذا السبح والنشاط، ولتنصب لعبادة ربك في الليل، وقوله تعالى: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا أي أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك، وذِكْرُ اسم الله، ليس هو مجرد ترديد هذا الاسم الكريم باللسان، على عدة المسبحة المئوية أو الألفية، إنما هو ذكر القلب الحاضر مع اللسان الذاكر، أو هو الصلاة ذاتها وقراءة القرآن فيها، والتبتل هو الانقطاع الكليّ عما عدا الله والاتجاه الكلي إليه بالعبادة والذكر، والخلوص من كل شاغل ومن كل خاطر، والحضور مع الله بكل الحس والمشاعر.
فعلى الداعية أن يذكر الله ذكرًا كثيرًا، وأن لا يغفل عن ذكر الله أبدًا، وعليه أن يكون لسانه رطبًا من ذكر الله، عليه أن يذكر الله في سره، وأن يذكره في علانيته، عليه أن يذكر الله في خلوته وفي اختلاطه، فإن القلوب إنما تطمئن بذكر الله، كما قال تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد:28] .
وعلى الداعية أن يتبتل إلى الله، وأن ينقطع إليه عما سواه، فإنه سبحانه رب المشرق والمغرب، لا إله إلا هو، وما دام كذلك فاتخذه وكيلا أي كما عبدته وحده، فتوكل عليه وحده، كما قال تعالى: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123] ، وكما قال تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين، والداعية هو أحوج الناس إلى التوكل على الله، والاعتماد عليه دون سواه، فمن هنا يستمد القوة والزاد للعبء الثقيل في الطريق الطويل، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.