فهرس الكتاب

الصفحة 5316 من 9994

هذا الإمام العادل هو الذي لا يحكم إلا بالحق، ولا يظلم عنده أحد، ولا يحابي أو يجامل في الحق أحداً، ولو كان من أعز الخلق عليه، وأحبهم إليه، يرى القوي ضعيفاً حتى يأخذ الحق منه، والضعيف قوياً حتى يأخذ الحق له، لا فرق عنده بين قريب وبعيد، وسيد ومسود، في معاملتهم بالحسنى، والرفق بهم، والإحسان إليهم، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في إحدى خطبه المنبرية: أيها الناس! قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقدّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله - تعالى-، لا يدع منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. والإمام العادل هو الذي يعتبر رعيته كأبنائه فيما لهم من العطف والحنان، والتربية الصالحة، فيعلم جاهلهم، ويواسي فقيرهم، ويربي صغيرهم، ويعالج مريضهم، ويكرم حاضرهم، ويحفظ غائبهم في أهله وماله، لأن ذلك من أداء الأمانة كما قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } 8.

وقال علي رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك، فحق الناس أن يسمعوا له، وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا 9.

ما من رجل ولي عشرة إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يقضى بينه وبينهم10، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنوهم ويعلنونكم"قالوا: يا رسول الله: أفلا ننباذهم؟ قال:"لا ما أقاموا فيكم الصلاة"11.

ولن يظل الله يوم القيامة بظل عرشه إماماً مستبداً، أو ملكاً جباراً، أو أميراً جائراً، يتسلط بجبروته على المسلمين، فيذل من أعزه الله، أو يعز من أذله الله 12.

الصنف الثاني: قوله:"وشاب نشأ في عبادة الله"خص الشاب بالذكر؛ لأن الشباب يغلب عليه الشهوة، ولما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى.

فهو شاب في رعيان شبابه، ولكنه تفرد وتميز عن بقية الشباب الذين نشأوا وتربوا وترعرعوا وشابوا وهرموا في عبادة الشيطان، ومتابعة الأغاني والألحان، والتسكع في الأسواق والطرقات، ومعاكسة الفتيات، وهجر القرآن ومشاهدة البرامج والمسلسلات وسماع الغناء والألحان!

هذا الشاب المستظل في ظل عرشه تعالى يوم لا ظل إلا ظله تفرد وتميز في الدنيا بأنه"القوي المالك أمر نفسه في طاعة الله، واستعمل جسمه وروحه وماله وما أنعم الله به عليه في مرضاته، فقد استحق من الله خير الجزاء، وكان محبوباً في أهله وقومه ومواطنيه؛ لأنه يريد الخير ويفعله، وإن عجز عنه دعا إليه، ورغب فيه، وأثنى على فاعله، وإن عرضت له المعصية، وزينها له الشيطان لم يمنعها منها إلا دينه وخوفه من الله، وما جبل عليه من طاعة الله والاشتغال بعبادته.. وهو الذي يستطيع الجهاد في سبيل الله، وكسب المال من حله، وبر والديه، وتربيته أبنائه، وصغار إخوانه، وخدمة بلاده، ونفع أمته، فهو الجندي في الميدان، والتاجر في السوق، والفلاح في المزرعة، والطبيب في المستشفى، والعامل في المصنع، والعضو الصحيح في الجمعيات والأندية، إذا دعي إلى الخير لبّى، وإذا رأى الشر أو سمع به أزاله وحارب أهله، وإن فقد النصير ابتعد عنه وأنكره بقلبه ولسانه، وما ظهر الدين وعرف الناس شرائع النبيين إلا بفضل الشباب الصالحين.. فهم النقباء والحواريون، والأنصار والمهاجرون، وهم العلماء والمعلمون، والشعراء المبدعون، والخطباء المصقعون، والتاريخ أصدق شاهد بفضل الشباب الناشئين في طاعة الله، والله - تعالى - يقول في أصحاب الكهف: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } 13. فهنيئاً لشاب تقي تعلق قلبه بالمساجد، ومجالس الخير، وعمل الصالحات، واغتنم شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، وغناه قبل فقره، وفراغه قبل شغله، وحياه قبل موته.. وأكرم الناس نفساً، وأنداهم كفاً، وأطيبهم قلباً، وأرقهم عاطفة، وأصدقهم عزماً، هو الشاب المؤمن التقي، الذي يجل الكبير ويحترمه، ويحن إلى الصغير ويرحمه، لا تسمعه إلا مهنئاً أو معزياً أو مشجعاً أو مسلياً أو مسلّماً، ولا تراه إلا هاشاً باشاً، طلق الوجه مبتسماً، يحليه إيمانه بمكارم الأخلاق، ويبعده دينه عن طيش الصغر، وإصرار الكبر، وجدير الشباب هذا شأنه بأن يظله الله بظل عرشه، وأن يكون آمناً إذا فزع الناس أجمعون"14. فهنيئاً له تلك المنزلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت