فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فإذا أنت ترى أحدهم وهو [عقبة بن نافع] على أطراف غابة ينادي يخاطب السباع والهوام ويقول: نحن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جئنا لننشر دين الله في الأرض فأخلي لنا المكان، فتخرج السباع والهوام، تخرج حاملة أولادها على ظهورها؛ لتخلي المكان لجند الله؛ كرامة من الله، أطاعوا الله فطوع الله لهم كل شئ؛ ليبني مدينة في تلك الغابة، لا ليركن إليها ويجلس فيها ويتنعم بها، بل ينطلق بعد ذلك فاتحًا في الأرض حتى يقف بقوائم فرسه في أطراف المحيط الأطلسي ليقول كلمته الخالدة وقوائم فرسه قد ابتلت بمياه المحيط الأطلسي يقول: والله لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضًا وأقوامًا لخضته في سبيل الله؛ لأنشر دين الله. وإذا [بقتيبة] في الجانب الآخر في شرق الكرة الأرضية ذاك في غربها وهذا في شرقها يفتح المدن والقلوب، حتى يقف على أطراف مملكة ويقسم بالله ليطأن بأقدام فرسه تلك المملكة، ويسمع ملكها فيهلع ويخاف ويجزع، ويعلم أن هؤلاء إذا قالوا فعلوا، فيرسل صِحَافًا من ذهب مملوءة بتربة أرض الصين؛ ليبرَّ قسم قتيبة، وتطأ خيل قتيبة تلك التربة، وتكون الصحاف مقدمة الجزية، وأربعة من أبنائه يوضع عليهم وسام المسلمين فيا لله!
مهلا حماةَ الضَيْمِ إنَّ لِلَيلِنا *** فجرًا سيطْوِي الضَيمُ في أطمارهِ
وإذا بكم بعد فترة تتخيلون وتقرؤون، خليفة المسلمين يخاطب السحابة وهو على كرسيه، ويقول: أمطري أنَّى شئت؛ فسوف يأتيني خراجك. صارت الكرة الأرضية ما بين مسلم حقًا وكافر يدفعُ الجزيةَ عنْ يدٍ وهو صَاغِرٌ.
للهدى كانوا أذلاء وللعدلِ *** وللمَعروفِ كانُوا خُلفاءَ
ولو دعاهم صارخٌ لانتفضوا *** مِن بطونِ الأرضِ يرمونَ السماءَ
تركُوا المنزلَ معمورًا لنا *** ثُمَّ جِئنا فتركناهُ خَلاء
ضربُوا العِزَّ لنا أخبيةً *** فنقضنَاها خَبَاءً فخَباء
ومع هذا
يا أمتي إنْ طالَ ليلُك عابثًا فتَرَقَبي *** بسمات فجرٍ في الظَّلام جَديدِ
ما نامَ جفنُ الحقِّ عنك وإنمَّا *** هيَ هدأةُ الرِّئبالِ قبلَ نفارِهِ
لعلها هدأة الأسد قبل نفاره. صدقوا ما عاهدوا، صدقوا في التجرد لله، وطلب الأجر العظيم من الله، وأنعم به من تطلع لا يعدله شئ من تكريم الدنيا."صح أن أعرابيًا قسم له النبي- صلى الله عليه وسلم- في من الغنيمة وكان غائبًا، فلما حضر أعطوه ما قُسِم له، فجاء الأعرابي للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله، ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا بسهم فأدخل الجنة، وأشار إلى حلقه، فقال -صلى الله عليه وسلم- إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا، ثم نهضوا لقتال العدو، وكان له ما أراد، إذ أوتي به يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه الله، ثم كفنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بجبته وصلى عليه، ودعا له، ثم قال: اللهم هذا عبدك، خرج مجاهدًا في سبيلك، قتل شهيدًا وأنا عليه شهيد". أرادوا الله فشمخت نفوسهم إلى رضوان الله، فترفعوا عن الدنيا حتى قال قائلهم؛ وهو [جابر بن عبد الله] : والذي لا إله إلا هو، ما اطلعنا على أحد من أهل أنه يريد الدنيا مع الآخرة . وهاهو [أبو الحسن عليّ] -رضي الله عنه- يوم الخندق يرى [عمرو بن ودٍّ] ؛ فارس العرب بلا منازع وهو يجتاز الخندق، ويندب المسلمين للمبارزة، فيتقدم عليٌّ لمبارزته، فيندب الثانية وقد استصغر [علي] فيخرج له علي، فيندب الثالثة للمبارزة فما لها إلا علي، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما روى عنه أخرج إليه منصورًا، فكان اللقاء وما هو إلا قليل وهما يصطرعان وإذ بعلي يعلوه بالسيف، ويوم علاه بالسيف بصق عمرو في وجهه، فيتركه علي دون أن يقتله، فقال له عمرو: عجبًا لأمرك مُكٍّنْتَ مني بشيء لم تحلم به العرب، ثم تتركني فقال علي: كنت أريد قتلك لوجه الله يا عدو الله، فلما بصقت في وجهي ثارت نفسي وطالبتني بالثأر، فخشيت أن يكون قتلك لنفسي، ووالله ما أريده إلا لله. ما أبلغه من كلام! ما أعظمه من تفكير! ما أحلاه من خلق أصيل! ترفع عن حظوظ النفس، وسفاسف الأمور، ولا غرابة، فأين تربَّى علي؟ تربى في حجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو ربيب الإخلاص والتجرد والصدق.
والأمرُ من معدنِهِ لا يُستغربُ *** والفرعُ للأصلِ حتمًا يُنسبُ