فهرس الكتاب

الصفحة 5407 من 9994

قال ابن عباس: يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به مَن قبلك مِن المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم.. وهذا يدخل في عموم قوله -تعالى-: ( الغيب) لأن كتب من قبلنا وإنزالها على الرسل لم نشهده ولم نعلمه، فالإيمان بذلك من الإيمان بالغيب، وهذا التخصيص هنا يدلنا على أهمية الإيمان بالكتب، وأشرفها: القرآن الذي نسخ من قبلها؛ لأن الإيمان به يستلزم الإيمان ببقية أمور الغيب.

الصفة الخامسة: (وبالآخرة هم يوقنون) أي بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان - كما ذكر ابن كثير، وسميت ( الآخرة) بذلك؛ لأنها بعد الدنيا متأخرة عنها، و اليقين معناه: التصديق الجازم الذي لا يعتريه شك، وهو ضد الريب والشك، فاليقين منتهى التصديق، ومنه عين اليقين، وحق اليقين، وعلم اليقين، فعلم اليقين: الإيمان بالشيء عن بعد، وحق اليقين: الإيمان بالشيء عن قرب منه، وتلمس لأحواله ودلالاته، وعين اليقين: هو أعلى درجات اليقين؛ لأنه يرى عين الشيء وكنهه. ولهذا جاء في الخبر الصحيح ( ليس الخبر كالمعاينة) [1] ومثاله: ما لو قيل لإنسان إن في هذه العلبة حلواء، وهو يراها من بعيد فصدق، فهذا علم اليقين، فإن قربت إليه ونظرها ازداد يقينه، وهذا هو حق اليقين، فإن ذاقها وطعم حلاوتها، فهذا هو عين اليقين.

فاليقين هنا معناه: التصديق بيوم الدين؛ لدلائل القرآن والسنة، ولسنة الله في العدل والفصل.. وهو يتفاوت بين مؤمن وآخر، فمنهم من يكون عنده علم اليقين، ومنهم من يكون عنده حق اليقين، ومنهم من يكون عنده عين اليقين، وهو أعلى الدرجات، كما جاء عن بعض الصحابة أنه قال: ( لو رأيت الجنة لما ازداد في يقيني شيئاً) وقال الآخر: ( لو كشف الحجاب لما ازداد في إيماني شيئاً ) بمعنى أن اليقين لديهم لا يعتريه أدنى شك فيما يؤمنون به, وهذا أعلى درجات الدين وهو الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) [2] .

وقوله -تعالى-: (أولئك) : إشارة إلى من تقدمت صفاتهم من الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والإنفاق، والإيمان بما أنزل على الرسل، واليقين بالدار الآخرة.

(على هدى) : أي على نور وبيان وبصيرة من الله، (وأولئك هم المفلحون) . أي الفائزون في الدنيا والآخرة. قال ابن عباس: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.. فالفلاح هو الفوز الأبدي في الدنيا والآخرة، فإن من وفقه الله للسداد في هذه الحياة، والاستقامة على سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والموت عليها، كان من الفائزين المفلحين..

فكل هذه الصفات تجعل الإنسان مؤمناً حقاً، وهو بذاك من المتقين، الذين اتقوا عقاب الله بهذه الصفات الشريفة العالية... كل هذه الآيات تتحدث عن صفات المتقين.. وستأتي الآيات بعدها لتحدثنا عن صنف ثانٍ ممن اتصفوا بصفات خبيثة، وهم الكفار.. ثم في الآيات بعدها صفات لشر الخليقة وأخبثها، وهم المنافقون، الذين يطعنون في صف الإسلام من داخله، وقانا الله شرهم، فما أكثرهم في هذا الزمن! ولا قوة إلا بالله.

إن شاء الله في الحلقة الثانية سيكون الكلام عن صفات الكافرين والمنافقين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

[1] - رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر في المسند ( 1842 )

[2] - رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت