فهرس الكتاب

الصفحة 5437 من 9994

قال الإمام الألباني: (وهذا الاحتمال الذي ذكر الإمام الشوكاني أشار إليه الإمام الشافعي نفسه، وقد يحتج لتلك العلة برواية البيهقي في السنن الكبرى8: (مطرنا في إمارة أبان بن عثمان على المدينة مطراً شديداً ليلة الفطر، فجمع الناس في المسجد، فلم يخرج إلى المصلى الذي يصلي فيه الفطر، والأضحى، ثم قال لعبد الله بن ربيعة: قم فأخبر الناس ما أخبرتني، فقال عبد الله بن عامر: إن الناس مطروا على عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فامتنع الناس من المصلى فجمع عمر الناس في المسجد، فصلى بهم، ثم قام على المنبر، فقال: يا أيها الناس: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج بالناس إلى المصلى، يصلي بهم؛ لأنه أرفق بهم، وأوسع عليهم، وإن المسجد كان لا يسعهم، فإذا كان المطر فالمسجد أرفق9.

قال الألباني: والجواب أن هذه الرواية ضعيفة جداً؛ لأن محمد بن عبد العزيز -هذا الذي من طريقه الرواية- قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال النسائي (متروك) ، وقد أخرجها الشافعي).

فيثبت بطلان التعليل بضيق المسجد، وترجح أقوال العلماء الذين جزموا بأن الصلاة في المصلى هي السنة، وأنه مشروع في كل زمان ومكان إلا لضرورة، ولا أعلم أحداً من العلماء المستقلين -الذين يعتد بهم- خالف في ذلك إلا ابن حزم في المحلى في قوله: (وإن كان عليهم مشقة في البروز إلى المصلى صلوا جماعة في الجامع، ثم قال: وقد روينا عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما- أنهما صليا العيد بالناس في المسجد لمطر وقع يوم العيد، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبرز إلى المصلى لصلاة العيدين، فهذا أفضل، وغيره يجزئ؛ لأنه فعل لا أمر، وبالله التوفيق. (المحلى(5/81-87 ) ) .

قال أحمد شاكر -رحمه الله-: (وقد تضافرت أقوال العلماء على ذلك، فقال العلامة العيني في شرح حديث أبي سعيد: فيه البروز إلى المصلى، والخروج إليه، ولا يصلي في المسجد إلا من الضرورة.

وفي الفتاوى الهندية (1/118) : الخروج إلى الجبانة في صلاة العيد سنة وإن كان يسعهم المسجد الجامع على هذا المشايخ، وهو الصحيح)10.

وروى بن زيادة عن مالك قال: (السنة الخروج إلى الجبانة إلا أهل مكة ففي المسجد) 11

وفي المدونة: (ولا يصلون في مساجدهم ولكن يخرجون كما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم-: فعن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال:(كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج إلى المصلى، ثم استن بذلك أهل الأمصار ) ) 12

وقال العلامة ابن الحاج في"المدخل" ( 283 ) : والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) 13, ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة خرج -صلى الله عليه وسلم- إلى المصلى وتركه، فهذا دليل واضح على تأكد أمر الخروج إلى المصلى لصلاة العيدين، فهي السنة، وصلاتهما في المسجد على مذهب مالك -رحمه الله- بدعة إلا أن تكون ثَم ضرورة داعية إلى ذلك فليس ببدعة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعلها، ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده، ولأنه -عليه السلام- أمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيدين، وأمر الحيض، وربات الخدور بالخروج إليهما فقالت إحداهن: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (تعيرها أختها من جلبابها لتشهد الخير ودعوة المسلمين) . فلما أن شرع -عليه الصلاة والسلام- لهن الخروج شرع الصلاة في البراح لإظهار شعيرة الإسلام.

فالسنة النبوية التي وردت في الأحاديث الصحيحة دلت على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي العيدين في الصحراء في خارج البلد. وقد استمر العمل على ذلك في الصدر الأول، ولم يكونوا يصلون العيد في المساجد إلا إذا كانت ضرورة من مطر ونحوه.14

القائلون بالصلاة في المسجد:

تقدم أن ذكر أنَّ من ذهب إلى أن الصلاة في المسجد أولى هو الإمام الشافعي -رحمه الله-، حيث قال: (بلغنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذلك من كان بعده وعامة أهل البلدان إلا مكة، فإنه لم يبلغنا أن أحداً من السلف صلى بهم عيداً إلا في مسجدهم، وأحسب ذلك -والله تعالى أعلم- أن المسجد الحرام خير بقاع الدنيا، فلم يحبوا أن يكون لهم صلاة إلا فيه ما أمكنهم؛ وإنما قلت هذا لأنه قد كان وليست لهم السعة في أطراف البيوت بمكة سعة كبيرة، ولم أعلمهم صلوا عيداً قط، ولا استسقاء إلا فيه، فإن عُمِّر بلد فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد لم أر أنهم يخرجون منه، وإن خرجوا فلا بأس) 15.

وقد تعقبه الإمام الشوكاني وغيره كما قدَّمنا ذكره.

والذي يظهر -والله أعلم- أن صلاة العيدين تصلى في المصلى (الجبانة) خارج المسجد إلا من عذر، وهو القول الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة، والذي عليه جمهور المسلمين.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت