فهرس الكتاب

الصفحة 5519 من 9994

ومن هذا الغيب الذي لم نكن لنعلمه لولا أن أعلمنا الله إياه أن هناك بعد الموت (فتنة القبر) . وأنها تحوي فيما تحوي نعيماً للطائعين وعذاباً للعاصين، قال تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (46) سورة غافر .

ونعيم القبر أو عذابه مرحلة بعد الموت ومقدمة لما سيأتي من النعيم أو العذاب، ففي الحديث: (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه) وقد تواترت الأحاديث النبوية الشريفة في هذا الباب حتى أصبح العلم بهذا - عند المؤمنين- قطعياً لا يدخله شك ولا يدانيه ريب، واعلم أن الشريعة لما ذكرت ما يقع في القبر من ضغطه القبر وسؤال منكر ونكير، وغير ذلك من الأمور العظام ما أرادت الشريعة إدخال الفزع والرعب في نفس المسلم، وإنما أرادت الشريعة أن يستعد المؤمن لهذا الأمر ويتهيأ له بالعمل الصالح فقد قال سفيان الثوري رحمه الله:"من أكثر من ذكر القبر وحده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عنه وجده حفرة من حفر النيران".. فلماذا لا يكون قبرك روضة من رياض الجنة؟ ولماذا تخاف من عذاب القبر وتفزع ولا ترجو ولا تحن إلى نعيمه ولذته، فالقبر فيه هذا وذاك ولا يظلم ربك أحداً.

ولذلك عندما حذر الله الناس بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم فذكر بعد هذا أن العذاب سينال الكافرين، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (7) سورة التحريم ، وذكر أن النعيم سينال المؤمنين فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (8) سورة التحريم. فنحن نقول لك نعيم القبر قبل عذابه، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (بشروا ولا تنفروا) ، وقول أهل العلم عذاب القبر ونعيمه ليس تقديماً للعذاب على النعيم فالواو - في اللغة العربية- لا تعني ولا تفيد ترتيباً حتى نقول أنهم قدموا العذاب على النعيم - فاستعد يا أخي الحبيب للقبر، واسعَ في أن تكون منعماً فيه لا مُعذَّباً وخَفْ من عذابه، واستعذ بالله منه، فإنك لا تنجو من النار إلا بالرجوع إلى الله كما أشارت الآية أن هؤلاء المؤمنين يتوبون إلى الله والله يكفر عنهم السيئات، ويدخلهم الجنات فالجأ إلى ربك ولذ به فلن يحفظك إلا هو، ولكن: (احفظ الله يحفظك) .

يا غافلاً وله في الدهر موعظةٌ إن كنتَ في سنةٍ فالدهر يَقظان

حفظنا الله وإياكم، وأعاذنا من عذاب القبر، وجعله علينا روضة من رياض الجنة، وجمعنا في الفردوس الأعلى... آمين... آمين.

أخيراً: مصادر ومراجع البحث ولمزيد من المعلومات

"الكليات"لأبي البقاء (2/309) ، و"محيط المحيط" (341) ، و"التعريفات"للجرجاني (101) ، و"المجمل"لابن فارس (2/296) ، ومختار الصحاح للرازي (93) ، و"قواعد التحديث"للقاسمي، و"من أجل مسجد فاعل": عبد الرحمن بن عبد الله اللعبون، و"الخطابة": لأبي زهرة، و"رياض الصالحين"للنووي، و"تفسير ابن كثير"، و"طرق الدعوة الإسلامية"للعدنان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت