إنهد ثهلانُ فاسأل بلنسيةً ما شأن مرسيةٍ و أين قرطبةٌ أم أين جيانُ و أين حمصٌ (كانوا يسمون مدن في الأندلس على أسماء بلاد الشام) و أين حمصٌ و ما تحويه من نزهِ و نهرها العذب فياضٌ و ملآنُ كذا طُليطلةٌ دار العلومِ فكم من عالمٍ قد سما فيها له شانُ و أين غرناطةٌ دار الجهاد و كم أسدٌ بها و هم في الحرب عُقبانُ قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبقى أركانُ و عالمٌ كان فيه للجهول هدىً مدرّسٌ و له في العلمِ تبيانُ و عابدٌ خاضعٌ للّه مبتهلٌ و الدمعُ منه على الخدين طوفانُ و أين مالقةٌ مُرسى المراكب كم أرست بساحتها فُلكٌ و غربانُ و كم بداخلها من شاعرٍ فطنٍ و ذي فنون له حِذقٌ و تبيانُ و كم بخارجها من منزهٍ فرجٍ و جنةٍ حولها نهرٌ و بستانُ و أين جارتها الزهرة و قبّتها و أين يا قومي أبطالٌ و فرسانُ تبكي الحنيفيةُ البيضاء من أسفٍ كما بكى لفراق الإلف هيمانُ حتى المحاريب تبكي و هي جامدةٌ (إذا تبلد إحساس الناس الجمادات لا تتبلد إحساسها) حتى المحاريب تبكي و هي جامدةٌ حتى المنابر تبكي و هي عيدانُ على ديارٍ من الإسلامِ خاليةٍ قد أكفرت و لها بالكفرِ عمرانُ (تحولت المساجد إلى كنائس) حيث المساجد قد أمست كنائس ما فيهن إلا نواقيسٌ و صلبانُ يا غافلاً و له في الدهر موعظةٌ إن كنت في سنةٍ فالدهر يقظانُ و سنعود لبعض أبياتها. إذا تبلد الإحساس، كيف ينبغي أن تُخاطَب النفوس؟ أيها الإخوة إن من تبلد الإحساس أيضاً أن تُفسَر الأشياء التي تجري في الواقع من أحداث و أمور يخلقها الله بتفسيرات طبيعية بحتة، يعني مثلا الزلازل، يقولون هذه ارتطام طبقات الأرض. ما أحد -إلا من ندر- يقول: هل هذا عذاب؟، هل هذا انتقام إلهي؟. كذلك في الأوبئة و الأمراض، يقولون هذا سببه كذا، و فيروس كذا، و دخل، و فعل، و حصل في الخليّة، و أثّر في المناعة. من الذي يفسر ذلك بأنه عقوبة إلهية لأهل الكبائر و المعاصي؟، و البشر لمّا ابتعدوا عن الشرع بماذا ابتلاهم الله؟، أحياناً تأتي ريح حمراء، ريح صفراء، لا يتفكرون فيها، و عندما تحدث الزلازل و يقوم بعض الدعاة بوعظ الناس، يأتي بعض هؤلاء المتبلدي الإحساس يقولون: تقولون لنا اتقوا الله، نحن ماذا فعلنا؟، هذه قشرة أرضية و صفحات في الأرض ترتطم ببعضها، ما دخل هذا...؟، سبحان الله العظيم!، إلى هذه الدرجة إذاً وصلت القضية في تبلد الإحساس. و لمّا يصير الكسوف، كاميرات، و ناس تصوّر، و نظّارات تقي من الأشعّة، أين أنت؟!، ما هذا التبلد؟ إلى هذه الدرجة، لماذا؟ لذلك أسباب منها: ضعف الإيمان بالله تعالى و اليوم الآخر، لو صح الإيمان بالله و اليوم الآخر ما غفل العبد. نظر الحسن البصري إلى أهل زمانه و قد تكالبوا، بعضهم انشغل بالدنيا و غفل عن الآخرة، مع أن ذلك زمن فضل و صحة في الأمة، قال: أمؤمنون بيوم الحساب هؤلاء؟ كلا، كذبوا و مالك يوم الدين. و كذلك فإن ما يصيب هؤلاء في الحقيقة نقص في العقل، لذلك يوم القيامة أهل النار يقولون: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ?) (الملك 10) . ثم من أسباب تبلد الإحساس أيها الإخوة: طغيان المادة على الناس، حب الدنيا، الانشغال بها، الولوه في أوديتها، و هكذا صارت القضية مادة في مادة، و حتى إذا صارت المسائل في أمور دينية شرعية تدخل المادة فيها، صار صلة الرحم تُقطّع لأجل المادة، بر الوالدين يُنسى لأجل المادة، إطعام المسكين يُنسى، إكرام الضيف يُنسى، هناك أشياء كثيرة تحدث من التغيرات في حياة الناس، الرسول عليه الصلاة و السلام قال: {ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم} . إذاً هذه الدنيا تُلهي، و أشراط الساعة منها كثرة المال، هكذا ينشغلون بها {تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم} لماذا سماه عبد للدينار؟ لأنه صار يرضى من أجله و يسخط من أجله، يحب من أجله و يبغض من أجله، يحيا من أجله، يعمل من أجله (عبد الدينار، عبد الدرهم) ، و هناك أناس عبدوا الوظائف، و إنهم يتفانون فيها و يتأخرون فيها و ينسون أهليهم و دينهم، حتى الصلاة التهوا عنها بهذا الركض وراء التجارات و الصناعات و المُساهمات، و {لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب (متى يملأه؟ عند الموت، إذا أُدخل في القبر و أُهيل عليه التراب) ويتوب الله على من تاب} . ثم ثالثاً من أسباب تبلد الإحساس: كثرة المعاصي التي انسلخ من كثير من القلوب قبحها و استقباحها، حتى صارت عادة لكثير من العصاة الذين يحيون عليها و يعيشون من أجلها، و فيها يرتعون، و عليها يجتمعون. شخص دخل مستشفى (المريض في العادة يقترب من الله، لأنه مُبتلى) و هذا في المستشفى يوزع سجائر ماريجوانا و يبيع في المستشفى. إذاً إذا كانت المسألة وصلت إلى هذه الدرجة من استيلاء المعاصي على