فهرس الكتاب

الصفحة 5625 من 9994

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الناس: نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم؛ أن المارّ إذا مر بهم في السّحر سمع لبيوتهم دوياً كدوي النحل، من البكاء وقراءة القرآن والدعاء، هذا في مدينة رسول الله ، دعاءٌ وبكاءٌ ومناجاةٌ وقت السحر،، فما هو حالنا مع حالهم، كيف نعيش بالنسبة إليهم، إن تلك التلاوة، وذاك الدعاء، وهذا البكاء من خشية الله، أبدل في بيوتنا - إلا من رحم الله - بالغناء والموسيقى والعود والوتر.

روى بن أبي حاتم أنه كان يمر في ظلام الليل يتفقد أصحابه، كيف كانوا يصلون، كيف كانوا يدعون، كيف كانوا يبكون، فسمع عجوزاً تقرأ من وراء الباب وتبكي. عجوز مسنة، تقرأ قوله تعالى: هل أتاك حديث الغاشية [الغاشية:1] . وتبكي، وتعيد الآية وتبكي، فوضع رأسه على الباب وبكى ، وردد الآية ثم قال: (( نعم أتاني، نعم أتاني ) ). هذه عجوز ضعيفة، فأين شباب الأمة، أين أهل القوى والعضلات، أين أهل البروز والإجادة.

إن القوي هو القوي في طاعة الله، وإن المفلح هو السائر في طريق الله، وإن المتقدم هو المتقدم إلى مرضات الله، إذا علم هذا فإنه في جانب الذكر كان أكثر الناس ذكراً لله تبارك وتعالى، نفسه ذكر لله، وفتواه ذكر لله، وخطبه ذكر، وكلامه وليله ونهاره وحركاته وسكناته ذكرٌ لله تبارك وتعالى.

قال ابن عباس كان النبي إذا قام من الليل يتهجد، قال: (( اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، لك ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمدٌ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ) [1] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا قام من الليل افتتح صلاته: (( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ) [2] .

هل سمعتم بعد كلام الله أحسن من هذا الكلام، ما أجمل وقت السحر، يوم تناجي الله، يوم ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟

يقول محمد إقبال شاعر الإسلام:

يا رب لا تحرمني أنّة السحر، يا رب اجعلني من البكائين الخاشعين لك في السحر، يا رب إذا حرمتني جلسة السحر فإن قلبي يقسو ولن يلينه شيء.

فيا عباد الله:

هذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام في عبادته، في صلاته وصيامه، في قراءته وذكره، وهو أسوتكم وقائدكم إلى الجنة، ونجاتكم مرهونة باتباعه، وعقدكم وسيركم إذا لم يكن على سنته، فهو الهلاك والدمار، وهو العار والخسار، في الدنيا والآخرة: لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة [الأحزاب:21] .

فيا من أراد الجنة، يا من أراد النجاة، يا من أراد الفلاح، يا من أراد الخير والعدل والسلام، والله ليس لك قدوة، لا زعيم ولا رائد، ولا مصلحٌ، ولا إمامٌ، ولا عابدٌ، ولا منقذٌ، ولا معلم، إلا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أيها الناس:

صلوا وسلموا على من جمّلنا المجلس بذكره فقد أمركم بذلك ربكم فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً [الأحزاب:56] .

[1] أخرجه البخاري (2/41 ، 42) ، ومسلم (1/532 ، 533) رقم (769) .

[2] أخرجه مسلم (1/534) رقم (770) . ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت