فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط! والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكُهُ مُلككم، وعزُّهُ عزُّكم، وكنتم أسعدَ الناس به، قالوا: سَحَرَكَ -والله- يا أبا الوليدِ بلسانه! قال: هذا رأيي فيه، فاصنعُوا ما بدا لكم .2
فوائد هذا الحديث:
1.أن أعداء الإسلام إذا يئسوا من صد الدعوة بالقوة استخدموا أسلوباً آخر للصدِّ عن سبيل الله هو أسلوب الإغراء بالمناصب والجاه والمال والنساء، فإذا ما استجاب الداعية لهم أغرقوه بالدنيا ومنعطفاتها حتى يتنازل عن كثير من مبادئ دينه؛ وهذا ما أدركه الأعداء اليوم حيث يحاولون مد الجسور مع الإسلاميين في بعض البلدان ويغرونهم بمناصب وثروات وعلاقات مستقبلية حميمة..
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يرضخ لهذا الطلب الدنيء؛ لأن هدفه عظيم وكبير، ليس الهدف أن يكسب متاعاً من الدنيا أو جاهاً أو منصباً، إن الهدف أن يفيق عتبة بن ربيعة وكفار قريش وكل العالم من هذه الغفلة القاتلة، ومن هذه الوثنية المضللة، وأن تعنوا وجوههم لله وحده لا شريك له الذي خلقهم ورزقهم.
2.أن المفسدين في الأرض يحسبون أنهم مصلحون، ويحسبون أن أهل الإسلام والحق على ضلال مبين، وأنهم بدعوتهم تلك يريدون فساد العالم؛ لأنهم يفرقون بين الرجل وعشيرته لأجل دينه، ويفرقون بين الرجل وابنه، لأن أحدهما كافر والآخر مؤمن، فهم يرون أن هذا من الفساد في الأرض؛ ولهذا قال عتبة -هنا- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به مَن مَضَى من آبائهم. وقد قال فرعون لموسى-عليه السلام- كما ذكر اللهُ عنه في القرآنِ: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26) .وهذا ما يدندن به الغرب وأذنابه اليوم من ضرورة الحوار بين الكفر والإسلام، وإذابة الفوارق بين المسلم والكافر بحجة الدعوة إلى السلام العالمي،ومحاربة الأفكار المتشددة التي تدعو إلى عداء الآخر، أو الانتقام منه، ويصدقهم اللئام من أمة الإسلام، أما يرى هؤلاء ما يفعله الصليبيون في بلاد المسلمين من الظلم والجور والدمار، ثم ننسى كل هذا ونقول لابد من السلام! أين السلام وهم يذبحوننا ذبح القطيع؟!
لقد أصبح من يدعو إلى دين الإسلام الحق هو المتهم وهو المنبوذ وهو المفسد في الأرض، ويُرمى بأنواع التهم والألقاب،وهذا ليس بالأمر الغريب! فهذه سيرة الكافرين منذ القدم، (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذاريات:53) .