فهرس الكتاب

الصفحة 5642 من 9994

الأمر الأول: أنه من رواية أبي هريرة وهو متأخر الإسلام، فإن إسلامه في سنة فتح خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة.

الأمر الثاني: أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. ولو قدرنا تقدم النهي عن الأمر بهما، لكانت نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر. إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها ولا كراهته13، ذكر هذا القول ابن قدامة-رحمه الله- في الشرح الكبير وقال: هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئ14. وقد قال بالنسخ أبو عبيد القاسم بن سلام، وذكر النووي أن القاضي عياض يقول: إن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عن جماهير العلماء15.

القول الرابع: النهي عن العتيرة، وأنها باطلة؛ قال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-: وقال ابن المنذر-بعد أن ذكر الأحاديث في عتيرة رجب-: وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، وفعله بعض أهل الإسلام، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهما، ثم نهى عنهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (لا فرع ولا عتيرة) . فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنها، ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما، والدليل على أن الفعل كان قبل النهي قوله في حديث نبيشة: إنا كن نعتر عتيرة في الجاهلية، إنا كنا نفرع في الجاهلية16. وفي إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك، وقوف عن الأمر بهما مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلن17. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحم الله الجميع-: قوله: (ولا تسن الفرعة والعتيرة) وفيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم. قوله: (والمراد بـ(لا فرع ولا عتيرة) نفي كونهما سنة) أي خلافاً لما يراه بعض أهل الجاهلية من أن ذلك سنة، هذا معنى كلام بعضهم. لكن النفي يفيد البطلان كـ (لا عدوى ولا طيرة) 18 أفلا يكون (لا فرع ولا عتيرة) إبطال لذلك؟!. فالأصل سقوط ذلك، ولا حاجة إلى تأويل، بل هو ساقط بالإسقاط النبوي، سقط سنة وفعلاً. هذا مع دلالة: (من تشبه بقوم فهو منهم) 19. مع دلالة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- منع من مشابهة الجاهلية.

ثم إن هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها -صلى الله عليه وسلم- كانت منتفية، فإن أمور الجاهلية كلها منتفية، لا يحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها. قوله: (ولا يكرهان) هذا تصريح بعدم الكراهية، وبعض الأصحاب قال بالكراهة20، والذي نفهم أنه حرام، وهذا بالنسبة إلى تخصيصهم ذبح أول ولد تلده الناقة-الفرع-، والذبح في العشر الأول من رجب-العتيرة -، أما إن كان مثل ما يفعله الجاهلية لآلهتهم فهو شرك21. والذي يترجح -والله أعلم- هو القول بالبطلان؛ لاتفاق جمهور العلماء على أن ما ورد في العتيرة منسوخ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا فرع ولا عتيرة) . وأنَّ اللام في هذا الحديث تفيد النفي قياساً على قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا عدوى ولا طيرة) . ولما في العتيرة من التشبه بأهل الجاهلية، وهذا منهي عنه؛ ولأن الذبح عبادة، والعبادات توفيقية. ولكن ليس هذا معناه أنه لا يجوز الذبح عموماً في شهر رجب، ولكن المراد بالنهي هو ما ينويه الذابح أن هذه الذبيحة هي عتيرة رجب، أو أنه ذبحها تعظيماً لشهر رجب، ونحو ذلك- والله أعلم-22.

1 -مجموع الفتاوى (16/531) .

2 -رواه مسلم.

3 -انظر:"سنن أبي داود (3/256) كتاب الأضاحي، حديث رقم (2833) ."

4 -راجع:"غريب الحديث" (1/ 195و196) .

5 -رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وقال:"حديث حسن غريب". وأبو داود، وقال الخطابي:"هذا الحديث ضعيف المخرج، وأبو رملة مجهول"، يراجع: معالم السنن (4/94) ، كتاب الضحايا، حديث رقم (2670) ، وقال المنذري:"وقد قيل أن هذا الحديث منسوخ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا فرع ولا عتيرة) ، يراجع: مختصر سنن أبي داود (4/93) ، كتاب الضحايا، حديث رقم (2670) ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود رقم (2421) ."

6 -رواه النسائي، والدارمي، وابن حبان في صحيحه، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح لغيره.

7 -رواه أحمد، والنسائي، وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وأشار إلى أنه حسن، وحسنه الألباني انظر صحيح الجامع رقم (4122) .

8 -رواه البخاري ومسلم.

9 -رواه البخاري ومسلم.

10 -راجع:"المجموع"للنووي (8/445) .

11 -راجع:"المجموع"للنووي (8/445، 446) .

12 -سبق تخريجه.

13 -انظر:"الشرح الكبير" (2/304، 305) .

14 -انظر:"الشرح الكبير" (2/304) .

15 -راجع:"المجموع" (8/446) . وشرح صحيح مسلم للنووي: (13/137) . و"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار"صـ (158-160) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت