فهرس الكتاب

الصفحة 5714 من 9994

نعم .. لا تفر عن كافر مهما كان قوياً أو ضعيفاً .. شجاعاً أو جباناً ..

عندها يأخذه البطل .. ثم يخرج عصابة حمراء فيربطها على رأسه .. ويتبختر مستبشراً فرحاً .. ويضرب به هام الكفار حتى انثنى ..

بل .. انظر إلى النبي عليه السلام .. وهو يحدث أصحابه عن يوم القيامة .. ويخبرهم ..

أن من أمته سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ..

فيعجب الصحابة بهذا الفضل العظيم .. ويقفز عكاشة بن محصن رضي الله عنه.. سريعاً .. يبادر الموقف وينتهز الفرصة قبل أن تفوت ..

ويقول:"يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم .. قال: ( أنت منهم ) .."

ويفوز بها عكاشة .. ثم يغلق الباب .. ويقال لمن بعده: سبقك بها عكاشة ..

نعم سبق عكاشة فدخل الجنة بغير حساب ..

وفاز أبو دجانة بسيف النبي الأواب ..

وارتفع أبو بكر على جميع الأصحاب ..

وتنافس الأغنياء والفقراء .. والصالحون والأولياء ..

همهم واحد .. كما أن ربهم واحد ..

وقلوبهم ثابتة .. كما أن عزائمهم ماضية ..

وأنت أفلا نظرت إلى نفسك .. كيف همتك إذا رأيت من سبقك إلى الدعوة إلى الله .. أو النفقة في سبيل الله ..

أفلا تلوم نفسك إذا رأيت فلاناً سبقك بحفظ القرآن .. وأنت غافل ولهان ..

ورأيت الآخر سبقك إلى الجهاد .. وأنت على الأريكة والوساد ..

والثالث يصعد في الدرجات .. وينكر المنكرات .. وأنت عاكف على أمور تافهات ..

ما حالك إذا علمت أن فلاناً صوام في النهار .. أو بكاء في الأسحار ..

فيا بائعا نفسه بيع الهوان لو استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب

وبائعا طيب عيش ما له خطر بطيف عيش من الآلام منتهب

غبنت والله غبنا فاحشا ولدى * يوم التغابن تلقى غاية الحرب

وحاطب الليل في الظلماء منتصبا * لكل داهية تدني من العطب

كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت * ورسل ربك قد وافتك في الطلب

فاستفرش الخد ذياك التراب وقل * ما قاله صاحب الأشواق والحقب

منحتك الروح لا أبغى لها ثمنا * الا رضاك ووافقرى الا الثمن

ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه .. غلام صغير من الأصحاب .. لكن همته كانت فوق السحاب ..

فكان يأتي إلى النبي عليه السلام .. وهو غلام .. فيقرب له وَضوءه وحاجته .. فأراد النبي عليه السلام أن يكافئه يوماً ..

فقال له: سلني يا ربيعة ..

فسكت ربيعة قليلاً .. ثم قال: أسألك مرافقتك في الجنة ..

فقال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك ؟

قال: هو ذاك .. فقال عليه السلام: فأعني على نفسك بكثرة السجود ..رواه مسلم ..

فكان ربيعة على صغر سنه لا يرى إلا مصلياً أو ساجداً ..

لم يفوت من عمره ساعة .. ولم يفقد في صلاة جماعة ..

نعم .. كانوا إذا عرفوا الفضائل تسابقوا إليها .. وثبتوا عليها ..

أذاقهم الله طعم محبّته .. ونعّمهم بمناجاته .. وطهّر سرائرهم بمراقبته .. وزين رؤوسهم بتيجان مودّته ..

فذاقوا نعيم الجنة قبل أن يدخلوها ..

وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله إذا أراد بعبد خيراً استعمله .. قيل: كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال: يوفقه للعمل الصالح ثم يقبضه عليه ..) ..

فمن أحبه الله .. أستعمله في طاعته .. وجعله لا يعيش لنفسه فقط .. بل يعيش لدينه .. داعياً إليه .. آمراً بالمعروف .. ناهياً عن المنكر .. مهتماً بأمر المسلمين .. ناصحاً للمؤمنين .. ففي الشيشان أخته .. وفي أفغان أمه .. وفي الصين ابنته .. وفي كشمير أحبابه .. يألم لألمهم .. ويفرح لفرحهم .. لا تراه إلا واعظاً لخلانه .. ناصحاً لإخوانه .. مؤثراً في زمانه ومكانه ..

إذا رأى المنكرات .. امتلأ قلبه حسرات .. وفاضت عينه دمعات ..

يود لو أن جسده قُرّض بالمقاريض وأن الناس لم يعصوا الله تعالى ..

يستميت في سبيل نصح الخلق .. وهدايتهم إلى الحق .. تأمل في أحوال الأنبياء .. وأخبار الأولياء ..

انظر إلى إبراهيم وهود .. وسليمان وداود .. وتأمل في حال شعيب وموسى .. وأيوب وعيسى ..

كيف كانوا يخدمون الدين .. ويحققون اليقين ..

واستمع إلى نوح عليه السلام .. يشكو حاله فيقول:

( رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ) ..

فهل استسلم لما أعرضوا ؟ كلا:

( ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا ) ..

ماذا بقي من حياة نبي الله نوح؟

الليل والنهار .. العلن والإسرار ..

كل ذلك سخر للدعوة إلى الله ..

وقضى في ذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً .. تموت أجيال وتحيا أجيال .. وهو ثابت ثبات الجبال ..

ووالله ما أقلت الغبراء .. ولا أظلت الخضراء .. أكرم خلقاً .. ولا أزكى نفساً .. ولا أحرص على هداية الناس من محمد صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت