فهرس الكتاب

الصفحة 5784 من 9994

إن استشعار المؤمن أن الجنة محفوفة بالمكاره يتطلب منه طاقة عالية متمثلة في هِمَّة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي؛ للتغلب على تلك المكاره التي حفَّت بذلك المطلب العالي، ألا وهو الجنة. نسأل الله من فضله. مع تنقية تلك الهمم من كل شائبة تدفع لوجه غير وجه الله -عز وجل-، وإنما تفاوت الناس بالهِمَم لا بالصور والله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم هاهو [ثابت البناني] -عليه رحمة الله- يقول: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل همَّ خروجي منها. لا شك والله أن هذا نتيجة مجاهدة وصل بها إلى الهداية من الله -جل وعلا-. ويقال [للإمام أحمد] : يا إمام متى الراحة؟ فيقول -وهو يدعو إلى المجاهدة-: الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة . إِي والله إنها الراحة الأبدية التي يُستعذَب كل صعب في سبيل الوصول إليها. وأعظم المجاهدة -يا أيها الأحبة- مجاهدة النيات"فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"والعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير صدق هباء (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثُورًا) يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثورًا مع أنهم كانوا يصلون مع المصليين، ويصومون مع الصائمين، ولهم من الليل مثل ما للمصليين وما للمخلصين، لكنهم إذا خلَوْا بمحارم الله انتهكوها؛ أمام الناس عُبَّاد زُهَّاد نُسَّاك، لكن إذا خلَوْ ظنوا أن الله لا يعلم كثيرًا مما يعلمون؛ فالنيةَ النية.

هاهو -صلى الله عليه وسلم- يتجه إلى من بجيش قوامه ثلاثون ألفًا في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، وقت عسرة ووقت شدة، حرٌّ ودنوّ ثمار المدينة، ومشقة عظيمة في سفرهم بلغت فوق ما يتكلم المتكلمون، حتى إن عمر -رضي الله عنه- ليقول: لقد أصابنا عطش شديد حتى ظننَّا أن رقابنا ستتقطع من شدة العطش، حتى إن الرجل لينزل عن بعيره، فينحره فيعتصر فرثه ثم يشربه الحال هذا بعضه. وعندما قفلوا راجعين منصورين، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هذا التعب العظيم قال:"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، ولا وطئتم موطئًا يغيظ الكفار إلا كانوا معكم، حبسهم العذر قالوا: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم بالمدينة؟! قال: نعم، وهم بالمدينة"إنهم -ولاشك- أقوام حسَّنوا نيَّاتهم. جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: يا رسول الله زادٌ وراحلة، لا نملك ذلك، فيقول -صلى الله عليه وسلم:"لا زاد ولا راحلة" (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) فبحسن النية بلغوا ما بلغ أولئك الذين سمعتم ما حصل لهم، ولذلك يقول الإمام أحمد موصيًا ابنه: يا بني انوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير فالنية النية، والإخلاص الإخلاص؛ فهي من أهم عوامل بناء النفس وتزكيتها، وكل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.

ثم اعلم -يا أخي الحبيب- أن للإخلاص علامات. اعرض أعمالك عليها، واختبر نفسك، وجاهدها وهي على سبيل المثال لا الحصر،

أولاً: استواء المدح والذم؛ فالمخلص لا يتأثر بمدح مادح، ولا ذم ذامٍّ؛ لأنه جعل الهمَّ همًّا واحدًا، وهو إرضاء الله رب العالمين وكفى، ولذا يُمدح أحد الأئمة في وجهه، فيغضب، ويقول: أشهد الله أني أمقتك على ما تقول، والذي لا إله إلاَّ هو لو علمت من نفسي ما أعلم لحثَوْتَ على رأسي التراب.

ثانيًا: نسيان العمل بعد عمله، ويبقى الهم همًا واحدًا؛، هل تقبل هذا العمل أم لم يتقبل؟ و (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)

ثالثاً: الحب في الله. حبًا يزيد بالبر لكنه لا ينقص بالجفاء، وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله.

رابعًا: إخفاء ما يمكن إخفاؤه من الطاعات؛ خوفًا من دواعي السُّمْعَة والرياء؛ فمن استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت