فهرس الكتاب

الصفحة 5788 من 9994

فإذا حضرت مجلس علم -يا طالب العلم- فلا يكن حضورك إلا مستزيدا علمًا وأجرًا لا حضور مستغنٍ بما عنده، ولا حضور طالب عثرة تشنعها، أو غريبة تشيعها؛ فهده فعال الأراذل الذين لا يفلحون في طلب العلم أبدًا؛ فإذا حضرت على هذه النية فقد حصلت خيرًا على كل حال؛ فإن لم تحضر وهذه النية معك فجلوسك في منزلك أروح لبدنك، وأكرم لخلقك، وأسلم لدينك؛ فإذا حضرت مجلس العلم فإما أن تسكت سكوت الجهال؛ فتحصل على أجر النية في المشاهدة، وعلى الثناء عليك بقلة الفضول، وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس؛ فإن لم تفعل فاسأل سؤال المتعلم؛ فما صفة هذا السؤال؟ أن تسأل عما لا تدري، لا تسأل عما تدري؛ فإن السؤال عما تعلمه سُخف، وقلة عقل، وقطع لزمانك ولزمان غيرك بما لا فائدة فيه، وربما أدى إلى اكتساب العداوات، وهو عين الفضول (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ) فإذا سألت وأجابك بما فيه كفاية لك، فاقطع الكلام؛ فإن لم يجبك بما فيه الكفاية فاستزده؛ فإن لم تفهم فقل: لم أفهم واستزده؛ فإن لم يزدك أو سكت أو عاد عليك الكلام الأول بلا مزيد فأمسك عنه، وإلا حصلت على العداوة، ولم تحصل على ما تريد من الزيادة، وإياك وسؤال العَنِت والمُكابِر الذي يطلب الغلبة، ويبين أن عنده علمًا؛ فإن ذلك دليل على سوء الخلق، وعلى قلة الدين، وعلى كثرة الفضول، وضعف العقل والسخف"وإنما أهلك من كان قبلكم كثرت مسائلتهم واختلافهم على أنبيائهم".

ثم اعلم -أخي طالب العلم- أن الوقوف على بعض أخبار طلبة العلم والعلماء من خير الوسائل التي تغرس الفضائل في النفوس، وتدفع النفس الضعيفة إلى تحمُّل الشدائد والمكاره في سبيل الغايات النبيلة والمقاصد الجليلة، وتبعث فيها روح التأسي بذوي التضحيات في سبيل العلم لتسمو إلى أعلى الدرجات. في أخبارهم إثارة قوية لمشاعر طالب العلم الذي يسعى جاهدًا للوصول إلى المقامات العليَّة في العلوم الشرعية. جاء في ترتيب المدارج: أن [ابن القاسم] -عليه رحمة الله- تزوج ابنة عمه، وحملت منه، وقد كان شغوفًا بطلب العلم، فقرر أن يرتحل لطلب العلم، وخيَّرها عند سفره بين البقاء أو الطلاق، فاختارت البقاء معه، فسافر حتى أتى ، وترك زوجه حاملاً في بلاده. فاسمع ما يقول؛ يقول: كنت آتي كل يوم [الإمام مالك] -عليه رحمة الله- في ظلمة الليل، في آخر الليل، في غلس، فأسأله عن مسألتيْن أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراحًا للصدر، فكنت أستغل ذلك الانشراح، فآتيه كل سحر، قال: فجئت يومًا، فتوسدت مرة عتبة بابه، فغلبتني عيناني، فنِمْتُ، وخرج الإمام مالك إلى المسجد، ولم أشعر به. قال: فخرجت جارية سوداء له، فركزتني برجلها، وقالت: إن الإمام قد خرج إلى المسجد، ليس يغفل كما تغفل أنت. إن له اليوم تسعًا وأربعين سنة قلَّما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة، يصلي الصبح بوضوء العشاء لمدة تسع وأربعين سنة! يقول [ابن القاسم] : فأنخت بباب مالك سبع عشرة سنة أطلب العلم، والله ما بعت فيها ولا اشتريت شيئًا، وإنما أطلب العلم. قال: وبينما أنا عنده إذ أقبل حجاج -بلده- فإذا شاب ملثم دخل علينا، فسلم على مالك، وقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير إليَّ، قال: فأقبل علي يقبل عيني ويدي وجدت منه ريحًا طيبة؛ فإذا هي رائحة الولد، وإذا هو ابني الذي ذهبت، وهو في بطن أمه قد أصبح شابًا يافعًا فيالله. تركوا كل شيء، وأعطوْا العلم كل شيء، ففتح الله عليهم فتحًا لا يخطر بالبال، ولا يدور بالخيال. لا نقول: أعطُوا ما أعطَوْا؛ فنحن أقلُّ والله. لكن لنقول: لنعطِ العلم بعض شيء علَّنا نكون شيئًا، نسأل الله أن ييسر لنا العلم النافع والعمل الصالح، هو ولي ذلك والقادر عليه.

حكى [الخطيب التبريزي] اللغوي: أن [أبا حسن الغالي] الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة [لابن دريد] كانت في غاية الجودة، فدعته الحاجة ذات يوم لبيعها، فكتب أبياتًا في آخرها يعبر عن معاناته في بيع أعز ما لديه وهو الكتاب، لكنها الحاجة - ونسأل الله أن يغنينا عمن أغناه عنا- عرضها للبيع فاشتراها منه [أبو القاسم] المذكور قبل قليل، اشتراها منه بستين دينارًا، ثم قام بتصفحها، فوجد فيها تلك الأبيات بخط بائعها يقول فيها:

أنست بها عشرين حولاً وبعتها *** لقد طال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعها *** ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن لضعف وافتقار وصبية *** صغار عليهم تستهلُّ شجوني

فقلت ولم أملك سوابق عبرتي *** مقالة مكويِّ الفؤاد حزين

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك *** كرائم من ربٍّ بِهن ظنين

فقرأها وتأثر أبو القاسم، وفاضت عيناه، وذهب وأرجع النسخة له، وترك له الدنانير، فرحم الله الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت