ومع خروج الأخلاق من دائرة العبادة وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تفككت عرى الأخلاق وضعفت الروابط الاجتماعية كالتعاون على البر والتقوى والتكافل الاجتماعي وصلة الأرحام، وتخلخلت الأسرة واهتزت القيم التي تقوم عليها، فلم يعد الشعور بالمسئولية عند رب الأسرة وربتها نابعاً من دائرة العبادة كما هو المفترض، بل إن تدبيرهما لأمر الأسرة ورعايتهما لها لا يمكن أن يخطر لأحد منهما على بال أنه من العبادة لله عز وجل. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ) ) [11] .
وحين خرجت عباد الله، حين خرجت الأخلاق وخرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دائرة العبادة كان ذلك سبباً جوهرياً في سقوط الأخلاق فيما بعد، فسقط في كثير من مجتمعات المسلمين الحجاب، وفشا فيهم الاختلاط، وظهر الفساد العريض نسأل الله السلامة والعافية.
وما هذه المجالس النسائية، والاختلاط في الأسواق والأماكن العامة والخاصة، والمطالبة بقيادة المرأة للسيارة، وإظهار مفاتن المرأة على الشاشات وصفحات الجرائد والمجلات واستخدامهن وسيلة لترويج أفكارهم المسمومة وسلعهم الموبوءة إلا أثر من آثار الانحراف لمفهوم العبادة.
أستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، ونعوذ به شرور النفوس ونزغات الشياطين.
[1] أخرجه مسلم في: الزكاة ، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (1006) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
[2] أخرجه مسلم في: الإيمان ، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (84) .
[3] أخرجه الترمذي في: البر والصلة ، باب: ما جاء في صنائع المعروف (1956) ، والبخاري في الأدب المفرد (891) وصححه ابن حبان (2/286-529) ، والألباني في الصحيحة (2/112-572) .
[4] أخرجه البخاري في: الدعوات ، باب: الدعاء يرفع الوباء والوجع (6373) بنحوه.
[5] أخرجه البخاري في: المزارعة ، باب: فضل الزرع والغرس إذا أكل منه (2320) ، ومسلم في: المساقاة ، باب: فضل الغرس والزرع (1553) بنحوه.
[6] أخرجه البخاري في: الزكاة ، باب: من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول نفسه (1425) ، ومسلم في: الزكاة ، باب: أجر الخازن الأمين والمرأة إذا تصدقت (1024) من حديث عائشة رضي الله عنها. وهذا لفظ أبي داود في: الزكاة ، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها (1685) .
[7] أخرجه الترمذي في البيوع ، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم (1209) ، والدارمي في البيوع ، باب: في التاجر الصدوق (2539) والدارقطني (291) ، والحاكم (2/6) من طريق الحسن عن أبي سعيد، قال الترمذي:"هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وحكم الحاكم بانقطاعه ، لكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه في التجارات ، باب: الحث على المكاسب (2139) ، والحاكم (2/6) ، قال الذهبي في الميزان (5/500) :"حديث جيد الإسناد صحيح المعنى". وأوردهما الألباني في صحيح الترغيب (1782-1783) .
[8] أخرجه أحمد (3/191) واللفظ له ، والطيالسي (2068) ، وعبد بن حميد (1216) ، والبزار (1251- كشف الأستار) وصححه المقدسي في الأحاديث المختارة (7/264-2713) ، وقال الهيثمي في المجمع (4/63) :"رواه البزار ورجاله أثبات ثقات".
[9] أخرجه البخاري في: الجنائز ، باب: الأمر باتباع الجنائز (1240) واللفظ له ، ومسلم في: السلام ، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام (2162) .
[10] أخرجه البخاري في: المغازي ، باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (4342) واللفظ له ، ومسلم في: الإمارة ، باب: النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها (1824) بنحوه.
[11] أخرجه البخاري في: الجمعة ، باب: الجمعة في القرى والمدن (893) ، ومسلم في: الإمارة ، باب: فضيلة الإمام العادل (1829) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد:
عباد الله، إن ما سبق ذكره من الآثار السيئة لحصر مفهوم العبادة في النطاق الضيق غيض من فيض، ورحم الله من قال:"الواقع أنه لو كان حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر من جملة الدينونة للعباد وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن وفي منهج حياتهم كله للدنيا وللآخرة سواء"اهـ.