عباد الله: وقفنا أمام غزوة بدر الكبرى، فاستلهمنا منها مواقف المحبة والرضا من أصحاب رسول الله ، وجدناهم تحت رايته لا يقولون غير قوله، لا يتقدمون عليه ولا يؤخرون أمراً أمر بإمضائه صلوات الله وسلامه عليه، سلام على أسد الشَّرى، سلامٌ على رجال الوغَى يوم سمعوا وأطاعوا، سلامٌ عليهم يوم قال قائلهم: (يا رسول الله امض لما أمرك الله، وصل حبال من أردت، واقطع حبال من شئت، فإنا سِلمٌ لمن سالمت، وحرب لمن حاربت، وخذ من أموالنا ما شئت، والله ما أخذت منها أحب إلينا مما تركت) [4] ، سلام عليهم من الله ورحمات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب:23] .
اللهم يا فاطر الأرض والسموات أسبغ عليهم شآبيب الرحمات وبوئهم المنازل العلى في الجنات واجمعنا معهم مع الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأبناء والبنات يا مصلح الأحوال والشئون.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أي شهر رمضان.
[2] رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله (11/309) فتح، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر (7/144) بشرح النووي، عن ابن مسعود.
[3] رواه البخاري تعليقًا في كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله (11/309) فتح، وأحمد في كتاب الزهد بسند صحيح كما قال ابن حجر في الفتح (11/309) .
[4] قائل ذلك هو: سعد بن معاذ. انظر تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون ص 126. ... ...
الخطبة الثانية ... ...
الحمد لله الواحد القهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى جميع أصحابه الأخيار ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم ما أظلهم الليل وأضاء النهار.
أما بعد:
فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.
عباد الله: أنعم الله علينا بهذه النعمة العظيمة والمنة الجليلة الكريمة فبلغنا شهر رمضان وما كنا لنبلغه إلا بفضل الحليم الرحمن، بلغنا شهر رمضان ونحن في عافية في الأبدان وأمن في الأوطان ورغد عيش بين الأهل والولدان، فالحمد لله كالذي نقول، والحمد لله خيرًا مما نقول.
عباد الله: وها هي أيام الشهر قد تتابعت ولياليه الغر قد تلاحقت، هذه أيام رمضان قد أوشكت بالرحيل، وها نحن في هذا اليوم أو بعد يومين سنستقبل العشر الأواخر، ختام شهر رمضان ووداعه، وقفنا على الليالي العشر ونحن فقراء إلى رحمة الله، وقفنا على أبواب العشر الأواخر نشكو تقصيرنا إلى الله، وقفنا على أبواب العشر الأواخر وكلنا أمل وطمع في رحمة الله ألا يخيب رجاءنا وأن يستجيب دعاءنا، وقفنا على أبواب عشر ما دخلت على رسول الله إلا شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله [1] ، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، بينها ليلة خير من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، عشر إذا دخلت على الأخيار والصالحين فروا إلى بيوت الله معتكفين ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود قد فارقوا النوم والكرى والهجود، يرجون رحمة الله الحليم الودود ويسألونه مقامًا مع الركع السجود في نعيم الجنات جنات الخلود مع المقربين الشهود، قد سمت أرواحهم إلى الخيرات وتنافست أجسادهم في فعل الباقيات الصالحات، عشر وما أدراك ما هذه العشر؟ أقسم الله بها في كتابه المبين [2] وعظم شأنها بهدي رسول الله الأمين.
فيا معاشر المعتكفين والمعتكفات وصية لكم من كتاب الله وسنة رسول الله اعلموا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل الله من الاعتكاف إلا ما كان خالصًا لوجهه يراد به ما عنده فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحداً [الكهف:110] . أخلصوا لله النيات، وأخلصوا لله العبادات والطاعات، فلا يزال العبد بخير إذا تكلم تكلم لله وإذا عمل عمل لله.
يا معاشر المعتكفين والمعتكفات: قدموا الحقوق والواجبات، إياك أخي المسلم أن تعتكف ووراءك حق أمرك الله بأدائه يضيع باعتكافك، إن كان الوالدان بحاجة إلى برِّك وحنانك وعطفك وإحسانك فاحتسب عند الله في القيام عليهما، كم من قائم على أم حنون يسقيها دواءها ويعالج جراحها ودائها بلغه الله أجر المعتكفين، كم من قائم على أب ضعيف شيخ كبير يقضي حوائجه ويرحم ضعفه ويحسن إليه ويجبر بإذن الله كسره بلغه الله مقام المعتكفين، كم من قائم على زوجة سقيمة مريضة يقوم عليها بلغه الله أجر الاعتكاف بما كان من إحسانه إليها.
تخلف عثمان رضي الله عنه وأرضاه عن غزوة بدر بسبب زوجه التي كان يمرضها، رقية رضي الله عنها وأرضاها، لو كنت مريضًا لقامت على رأسك ولأحسنت إليك فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، إياك أن تعتكف والأبناء والبنات بحاجة إليك أو يكون اعتكافك سببًا في ضياعهم، فاتق الله في الأقربين إليك.