أيها العقلاء: فكروا قليلا في الصدور قبل الورود، وتحسبوا لمستقبل الأيام، وعوادي الزمن قبل الوقوع في المحظور، واخشوا خيانة الغير بمحارمكم إذا استسهلتم الخيانة بمحارم غيركم، وكم هي حكمة معلمة تلك الكلمات التي قالها الأب لابنه حين اعتدى في غربته على امراة عفيفة بلمسة خفيفة، فاعتدي في مقابل ذلك السقاء على أخته بمثلها، وحينها قال الأب المعلم لابنه:"يا بني دقة بدقة، ولو زدت لزاد السقاء".
وإياكم إياكم إن تلوثوا سمعتكم، وفيما قسم الله لكم من الحلال غنية عن الحرام.
وتصوروا حين تروادكم أنفسكم الأمارة بالسوء أو يراودكم شياطين الجن والإنس للمكروه، تصوروا موقف العبد الصالح حين راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
أجل لقد رأى الصديق عليه السلام برهان ربه، وصرف الله عنه السوء والفحشاء، وعده في عباده المخلصين.
في مثل هذه المواقع يبتلى الإيمان، وفي مثل هذه المواقف يمتحن الرجال والنساء، وفي مثل هذه المواطن تبدو آثار الرقابة للرحمن، وهل تتصور يا عبد الله أنك بمعزل عن الله مهما كانت الحجب، وأيا كان الستار؟ كلا، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم السر وأخفى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك:14] .
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
إخوة الإسلام: ومستحل الزنا في الإسلام كافر خارج من الدين، والواقع فيه من غير استحلال فاسق أثيم، يرجم إن كان محصنا، ويجلد ويغرب إن كان غير محصن (2) .
لا ينبغي أن يدخل فيه الوساطة والشفاعة، وينهى المسلمون أن تأخذهم في العقوبة الرأفة والرحمة، وأمر المولى جل جلاله أن يقام الحد بمشهد عام يحضره طائفة من المؤمنين ليكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين والمشاهدين.
قال تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور:2] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. ..
(4) خطب الفوزان .
(1) رواه احمد والبزار ورجال البزار رجال صحيح ( مجمع الزوائد 1/100 ) .
(2) روى هذه الزيادة البزار ، وفيه اسرائيل الملائى وثقه يحى بن معين في رواية وضعفه الناس ( مجمع الزوائد 1/101 ) .
(3) الحديث رواه ابو دواد ، والحاكم وصححه ، شرح السنه للبغوي 1/90، وانظر كلام ابن حجر في الفتح 12/52 .
(2) ابن حميد توجيها وذكرى 1/125 . ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
الحمد لله رب العالمين، سن من الشرائع والأحكام ما فيه مصلحة العباد في دينهم ودنياهم، وأشهد أن لا إله إلا الله، يعلم ما يصلح الخلق في حاضرهم ومستقبل أيامهم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ما فتئ يحذر أمته من الخنا والفجور حتى وافاه اليقين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
إخوة الإسلام: وإذا كان ما مضى جزء من شناعة وعقوبة الزنا في الدنيا فأمر الآخرة أشد وأبقى.
ولو سلم الزناة من فضيحة الدنيا، فليتذكروا عظيم الفضيحة على رؤوس الأشهاد، هناك تبلى السرائر ويكشف المخبوء، وما لإنسان حينها من قوة ولا ناصر، بل إن أقرب الأشياء إليه تقام شهودا عليه: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [يس:65] .
وهل تغيب عن العاقل شهادة الجلود؟ وهل دون الله ستر يغيب عنه شيء وهو علام الغيوب وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت:21-23] .
يا أمة الإسلام: ولا يقف الأمر عند حد الفضيحة على الملأ مع شناعته، بل يتجاوز إلى العذاب وما أبشعه؟
جاء في صحيح البخاري و غيره عن سمرة بن جندب رضي الله عنه - في الحديث الطويل - في خبر منام النبي صلى الله على و سلم (( أن جبريل و ميكائيل جاءاه قال: فانطلقا فأتينا علي مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا: أتاهم ذلك اللهب ضوضوا ـ أي صاحوا من شدة الحر ـ فقلت: من هؤلاء فقال: هؤلاء الزناة و الزواني، فهذا عذابهم إلى يوم القيامة ) ) (1) .
وروى الإمام أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، عن أنس رضى الله عنه: (( من مات مدمن الخمر سقاه الله جل وعلا من نهر الغوطة، قيل وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات ـ يعنى البغايا ـ يؤذي أهل النار ريح فروجهم ) ).
فأهل النار يعذبون بنتن ريح الزناة (2) ؟