فهرس الكتاب

الصفحة 5914 من 9994

وهكذا أخذ الله العيون, فلم يبلغ إلى قريش خبر خروج المسلمين إليهم, ولعشر خلون من شهر رمضان للسنة الثامنة من الهجرة غادر رسول الله المدينة متجهًا إلى مكة, في عشرة آلاف من الصحابة, ولما كان في الجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب, وكان قد خرج بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا.

ثم لما كان رسول الله بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية, فأعرض عنهما, لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجر, فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك, وقال علي لأبي سفيان: ائت رسول الله من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: تا الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين [يوسف: 91] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً, ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين [يوسف:92] . فأنشده أبو سفيان: ... ...

لتغلب خيل اللات خيل محمد ... لعمرك إني حين أحمل راية ...

فهذا أواني حين أهدى فأهتدي ... لكا لمدلج الحيران أظلم ليله ...

على الله من طردته كل مطرد ... هداني هاد غير نفسي ودلني ...

فضرب رسول الله صدره وقال: (( أنت طردتني كل مطرد ) ) [3] . فأسلم وحسن إسلامه, ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله منذ أسلم حياء منه, وكان رسول الله يحبه, وشهد له بالجنة.

وواصل رسول الله سيره وهو صائم والناس صيام حتى بلغ الكديد فأفطروا, أفطر الناس ثم واصل حتى بلغ مر الظهران، نزله عشاءً, فأمر الجيش, فأوقدوا النيران, فأوقدت عشرة آلاف نار, وفي الصباح من يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان غادر رسول الله من الظهران إلى مكة, وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بن حرب وقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمضيق الوادي عند خطم الجبل, حتى تمر به جنود الله ميراها, ففعل, فمرت القبائل على راياتها, كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان: يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: قبيلة كذا, فيقول: مالي ولها حتى نفدت القبائل, فمر به رسول الله في كتيبته الخضراء, فيها المهاجرون والأنصار, لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد, قال سبحان الله يا عباس, من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار, فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة, ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا, قال العباس: يا أبا سفيان, إنها النبوة, قال: فنعم إذن.

ولما مر رسول الله بأبي سفيان قال له العباس: النجاء إلى قومك, فأسرع أبو سفيان بن حرب حتى دخل مكة فصرح بأعلى صوته, يا معشر قريش, هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به, فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن, قالوا: قاتلك الله, وما تغني عنا دارك, قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن, ومن دخل المسجد فهو آمن, فتفرق الناس إلى دورهم وفي المسجد, وتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين, ونزل رسول الله بذي طوى وكان يضع رأسه تواضعًا حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل, وهناك وزع جيشه فجعل على الميمنة خالد بن الوليد, وفيها: أسلم, وسليم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل أخرى, فأمره أن يدخل مكة من أسفلها, وقال: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدًا, حتى توافوني على الصفا.

وجعل على الميسرة الزبير بن العوام وكان معه راية رسول الله فأمره أن يدخل مكة من أعلاها من كداء, وأن يغرز رايته بالحجون, ولا يبرح حتى يأتيه, وكان أبو عبيدة على الرجالة ولا سلاح لهم, فأمره أن يأخذ بطن الوادي, حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله .

وتحركت كل كتيبة, فأما خالد فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه, وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد بالخندمة فناوشوهم شيئًا من قتال, فأصابوا منهم اثني عشر رجلاً فانهزم المشركون, وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله الصفا.

وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله بالحجون عند مسجد الفتح, وضرب له هناك قبة, فلم يبرح حتى جاءه رسول الله , ثم نهض رسول الله والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله, حتى دخل المسجد فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه, ثم طاف بالبيت وفي يده قوس, وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا, فجعل يطعنها بالقوس ويقول: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا [الإسراء:81] . قل جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد [سبأ: 49] . والأصنام تتساقط على وجهها [4] .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله, كم من صنم في هذا الزمان يرنو إلى قوسك الطاهر, ويراعك النقي ليخر صريعًا على وجهه في الثرى, أصنام الآراء والأفكار المسعورة, أصنام العلمنة والحداثة, أصنام النعيق والتبعية واللهث وراء الغرب الكافر, ألا كم من صنم في هذا الزمان لا يسجد له ولا يتمسح به, لكنه أشد على الإسلام من ألف صنم وحجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت