"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظيمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، وتلا قوله تعالى: ]يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا عن أكرمكم عند الله أتقاكم[. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وروى الشيخان عن أبي شريح العدوي أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما خاطب به الناس يوم الفتح:"إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها أناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الأخر أن يسفك بها دمًا أو يعضد بها شجرًا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب".
ثم إن الناس اجتمعوا بمكة لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع إليه نساء من نساء قريش، فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة رضي الله عنها. فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئًا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما أخذته على الرجال، وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن. قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلاً لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدًا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال عليه الصلاة والسلام: وإنك لهند بنت عتبة؟ فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين، قالت: وهل تزني الحرة قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارًا وقتلتهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر من قولها حتى استغرب. قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
قال: ولا تعصينني في معروف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: بايعهن واستغفر لهن رسول الله، فبايعهن عمر. وكان رسول الله لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه، إلا امرأة أحلها الله له"."
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام، بهذه الآية: لا يشركن بالله شيئًا، قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها". وروى مسلم عن عائشة بنحوه.
"وأجارت أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، يوم الفتح، رجلاً من المشركين، وكان علي رضي الله عنه يريد قتله، قالت: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يغتسل، وفاطمة بنته تستره بثوب، قالت: فسلمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: مرحبا بأم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، ثم انصرف. فقلت: يا رسول الله. زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلاً أجرته، فلان: ابن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
وأما أولئك النفر الذين كان رسول الله قد هدر دمهم، فقد قُتل بعضهم وأسلم الآخرون: قتل الحويرث وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة، وقتلت إحدى الجاريتين المغنيتين وأسلمت الأخرى. وشفع في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وحسن إسلامه، وأسلم عكرمة ، وهبار، وهند بنت عتبة.
روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفضالة؟ قال: نعم: فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: استغفر الله. ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه".
ومرّ فضالة عائدًا إلى بيته بامرأة كان يميل إليها ويتحدث معها، فقالت له: هلمّ إلى الحديث، فانبعث يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت: لا يأبى عليّ الله والإسلام
لو ما رأيت محمدًا وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينًا والشرك يغشى وجه الإظلام
دروس من فتح مكة
من أعظم بشائر القرآن الكريم
الأستاذ/ حسن ضياء الدين عتر
انهمك الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الأبطال الميامين بعد الهجرة في ردع الأعداء الكائدين هنا وهناك في أرجاء الجزيرة العربية، لا يُخمدون نارًا إلا أوقد العدو للحرب نارًا أخرى.