وسل نفسك هل أنت مع ربك، وهل تحب أن يكون الله معك، وأن يذكرك في الملأ الأعلى من الملائكة، أم تريد أن تعرض عن الله وأن ترضى بملازمة الشياطين ومصاحبتهم أعاذنا الله منهم.
ذكر الله عز وجل عصمة من الشيطان
فيا من يشكو من مس الشيطان ومن وسوسة الشيطان أين أنت من ذكر الله ومعية الرحمن والله تبارك وتعالى يقول: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين *وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم *إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون {الأعراف:199-201} ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون *وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين *وأعوذ بك رب أن يحضرون {المؤمنون:96-98} .
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم {فصلت:34-36} .
فهذه مواضع ثلاثة في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة يرشد فيها المولى تبارك وتعالى إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف وبالتي هي أحسن فإن هذا يُصلحه ويكفه عما هو فيه من التمرد بإذن الله تعالى حتى يصبح كأنه ولي حميم.
ثم يرشد المولى تبارك وتعالى إلى الاستعاذة به من العدو الأصيل وهو الشيطان الرجيم إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير {فاطر:6} .
فإنه لا يكفه عنك الإحسان لإنه يريد هلاكك بالكلية وهو عدو لك ولأبويك من قبلك، وكل همه أن يحول بينك وبين الجنة كما فعل مع أبويك من قبل: قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين {الأعراف:15-17} .
ولهذا أرشد عباده إلى الاستعاذة بالله منه فهو سبحانه الذي يرد كيده، ويكف شره، ويعفو عن زلات عباده ويتوب عليهم كما تاب على الأبوين حين زلا قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين {الأعراف:23} فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم {البقرة:37}
وذكر الله عز وجل في الجملة يحمي من الشيطان الرجيم، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد عن الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فذكر أمرهم بالتوحيد والصلاة والصوم والصدقة ثم ذكر الخامسة وهي ذكر الله عز وجل فقال:"وآمركم أن تذكروا الله عز وجل، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله عز وجل". الحديث
قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه عن ذكر الله عز وجل وأن لا يزال لهجًا بذكره سبحانه، فإن العبد لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه عدوه إلا من باب الغفلة، فهو يرصد العبد ويتربص به فإذا غفل العبد وثب عليه وافترسه، فإذا ذكر العبد ربه انخنس عدو الله وتصاغر حتى يكون كالذباب ولهذا سماه المولى تبارك وتعالى الوسواس الخناس لأنه يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله تعالى خنس وكف وانقبض وتصاغر، ولا يتسلط إلا على من عجز عن ذكر ربه من أولياء الشيطان الضالين المضلين.
وقد روى أحمد في مسنده عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنتُ رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فعثر الحمار فقلت: تعس الشيطان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم في نفسه وقال: صرعته بقوتي.
فإذا قلت: بسم الله، تصاغرت إليه نفسه حتى تكون أصغر من الذباب". {شرح السنة ج12 ص354 ح3384} "
وقد روى عن أبي هريرة أنه قال: إن الشيطان إذا لُعن ضحك وإذا تُعوذ منه هرب.
وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس. {الوابل الصيب لابن القيم}
فالغفلة عن ذكر الله عز وجل موات للقلوب.
"ومثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت". {متفق عليه} والبيت الذي لا يصلي فيه أهله كالقبر الذي يسكنه الأموات، وفي الحديث الصحيح"اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا". {متفق عليه} ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقد يضرب على مكان كل عقدة، عليك ليلٌ طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".