فهرس الكتاب

الصفحة 6007 من 9994

عن عبد الرحمن بن يعمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الحج عرفة ) ) ( [6] ) .

قال الترمذي:"والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر، فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق".

وقال النووي:"أي: عماده ومعظمه عرفة" ( [7] ) .

وقال المناوي:"أي: معظمه أو ملاكه الوقوف بها، لفوت الحج بفوته" ( [8] ) .

وقال السيوطي:"قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه... فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم: (( الحج عرفة ) )يدل على أفضلية عرفة؛ لأن التقدير: معظم الحج وقوف عرفة. فالجواب: أن لا نقدر ذلك، بل نقدر أمرًا مجمعًا عليه: وهو إدراك الحج وقوف عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه" ( [9] ) .

وقال السندي:"والمقصود: أن إدراك الحج يتوقف على إدراك الوقوف بعرفة" ( [10] ) .

وقال الشوكاني:"قوله: (( الحج عرفة ) )أي: الحج الصحيح حج من أدرك عرفة" ( [11] ) .

ولله در ابن القيم حين يصور ذلك الموقف العظيم:

وراحوا إلى التعريف يرجون رحمةً ومغفرة ممن يجود ويُكرم

فلله ذاك الموقف الأعظم الذي كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم

ويدنو به الجبار جل جلاله يباهي بهم أملاكه فهو أكرم

يقول عبادي قد أتوني محبةً وإني بهم برٌّ أجود وأرحم

فأُشهدكم أني غفرتُ ذنوبهم وأعطيتُهم ما أمَّلوه وأنعم

فبشراكم يا أهل ذا الموقفِ الذي به يغفر الله الذنوب ويرحم

فكم من عتيق فيه كمل عتقه وآخر يستسعي وربك أرحم

وما رئي الشيطان أغيظَ في الورى وأحقر منه عندها وهو ألأم

وذاك لما قد رآه فغاظه فأقبل يحثو الترب غيظًا ويلطم

وما عاينتْ عيناه من رحمةٍ أتت ومغفرة من عند ذي العرش تقسم

بنى ما بنى حتى إذا ظن أنه تمكَّن من بنيانه فهو مُحكم

أتى الله بنيانا له من أساسه فخر عليه ساقطًا يتهدم

وكم قدْر ما يعلو البناء وينتهي إذا كان يبنيه وذو العرش يهدم

الأعمال المستحبة فيه:

1 ـ الصيام: عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تصوم؟. .. وذكر الحديث بطوله، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده... ) ) ( [12] ) .

قال النووي:" (( صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) )معناه: ذنوب صائمه في السنتين. قالوا: والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء, وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر، يُرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رُفعت درجات" ( [13] ) .

قال ابن القيم رحمه الله:"فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها، وهذا العمل الكامل هو الذي يكفر الذنوب تكفيرًا كاملاً، والناقص بحسبه، وبهاتين القاعدتين تزول إشكالات كثيرة. وهما: تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان، وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه. وبهذا يزول الإشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه: (( إن صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة ) ) ( [14] ) قالوا: فإذا كان دأبه دائمًا أنه يصوم يوم عرفة فصامه وصام يوم عاشوراء، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة؟ وأجاب بعضهم عن هذا بأن ما فضل عن التكفير ينال به الدرجات. ويا لله العجب. فليت العبد إذا أتى بهذه المكفرات كلها أن تكفر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض، والتكفير بهذه مشروط بشروط، وموقوف على انتفاء موانع في العمل وخارجه."

فإن علم العبد أنه جاء بالشروط كلها، وانتفت عنه الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير. وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره، وفقد الإخلاص الذي هو روحه. ولم يقدره حق قدره. فأي شيء يكفر هذا؟!

فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهرًا وباطنًا ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره، ولا مبطل يحبطه من عجب أو رؤية نفسه فيه. أو يمن به، أو يطلب من العباد تعظيمه عليه، ويرى أنه قد بخسه حقه، وأنه قد استهان بحرمته، فهذا أي شيء يكفر؟!

ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحسر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه" ( [15] ) ."

2 ـ الدعاء: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ) ) ( [16] ) .

قال ابن عبد البر:"وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره، ... وفي الحديث أيضًا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب" ( [17] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت