فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر ) ) ( [5] ) .
رمضان مدرسة للتربية على التقوى، وهي حِكمة من حكم تشريع صومه:
قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] .
قال القرطبي:"قيل: معناه هنا: تضعفون، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي، وهذا وجد مجازي حسن، وقيل: لتتقوا المعاصي، وقيل: هو على العموم، ولأن الصيام كما قال عليه السلام: (( الصيام جُنّة ووجاء ) )وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات" ( [6] ) .
وقال ابن كثير:" {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، لهذا ثبت في الصحيحين: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ) ) ( [7] ) " ( [8] ) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) ( [9] ) .
قال ابن المنير:"هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئاً طلبه عنه فلم يقم به: لا حاجة لي بكذا، فالمراد: رد الصوم المتلبس بالزور، وقبول السالم منه" ( [10] ) .
( [1] ) مسلم (1079) في الصيام، باب فضل شهر رمضان.
( [2] ) نقلاً عن شرح مسلم للنووي (7/188) .
( [3] ) لطائف المعارف (ص282) .
( [4] ) الترمذي (3545) في الدعوات، باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجلٍ، أحمد (7402) ونحوه عند ابن خزيمة (1888) في الصيام، باب استحباب الاجتهاد في رمضان.
( [5] ) صحيح مسلم (333) في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان.
( [6] ) تفسير القرطبي (2/275-276) .
( [7] ) البخاري (5065) في النكاح، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم من استطاع ، ومسلم (1400) في النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.
( [8] ) تفسير ابن كثير (1/219) .
( [9] ) البخاري (1903) في الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم.
( [10] ) نقلاً عن فتح الباري (4/117) .
8 ـ رمضان شهر الإخلاص والصدق:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال سول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عندلقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك ) ) ( [1] ) .
قال القرطبي:"لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطَّلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في هذا الحديث: (( يدع شهوته من أجلي ) )" ( [2] ) .
وقال ابن الجوزي:"جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم" ( [3] ) .
صور من إخلاص السلف وصدقهم:
قال الفلاس:"سمعت ابن أبي عدي يقول:"صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان خزازاً يحمل غداءه فيتصدق به في الطريق" ( [4] ) ."
( [1] ) البخاري (5927) في اللباس، باب ما يذكر في المسك، مسلم (1151) في الصيام، باب فضل الصيام، اللفظ لمسلم.
( [2] ) نقله في فتح الباري (4/107) .
( [3] ) نقله في فتح الباري (4/107) .
( [4] ) سير أعلام النبلاء (6/378) .
أحوال السلف في رمضان
أولاً: حالهم مع قراءة القرآن:
قال ابن رجب:"وفي حديث فاطمة رضي الله عنها، عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها أنّ جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرةً، وأنّه عارضه في عام وفاته مرتين ( [1] ) ."
وفي حديث ابن عباس أنّ المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً ( [2] ) ، فدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإنّ الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر.
كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل:6] ، وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] " ( [3] ) ."
ولهذا حرص السلف رحمهم الله على الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان:
1-عن إبراهيم قال: كان الأسود بن يزيد يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليالٍ ( [4] ) .
2-وعن وِقا بن إياس قال: كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان، وكانوا يؤخرون العشاء ( [5] )
3-وعن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنّه كان يختم القرآن في كل ليلتين ( [6] )