أيها المسلمون، كثيراً ما يذكر الله ـ تعالى ـ أنواع الأعمال الصالحة، ثم يذكر ما أعد لأهلها من أصناف النعيم وألوان التكريم؛ من المساكن والغرف المبنية، والثمرات الدانية الشهية، والعيون والأنهار الجارية بالمشارب الهنية، وأكبر من ذلك رضوان الرب الكريم وجواره في دار التكريم، كل ذلك حثاً منه ـ سبحانه ـ لعباده على تحري الأعمال الصالحة، واغتنام الفرص والمواسم طلباً للتجارة الرابحة، كما قال ـ تعالى ـ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصلاةَ وَيُؤْتُونَ الزكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:71، 72] .
وكما قال ـ تعالى ـ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزكاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لاِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:1-11] .
وكما قال ـ سبحانه ـ: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ % تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف:10-13] .
وقال ـ جل ذكره ـ: الَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:20-22] .
فرتب ـ سبحانه كريم ـ الثواب وحسن المآب على العمل الصالح وهجر المنكرات والإعراض عن القبائح، فاجعلوا آخرتكم لأنفسكم، وسعيكم لمستقركم، وفكركم وجهدكم فيما تبنون به منازلكم، وتغرسون به بساتينكم في الجنة.
روي أن نبينا لقي إبراهيم ـ عليه السلام ـ ليلة أُسْرِيَ به فقال له إبراهيم: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأن بها قيعان، وأن غراسها (( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) ) [17] .
وروي أن الملائكة تبني للمؤمن القصر في الجنة فربما وقفوا، فيقال لهم في ذلك فيقولون: حتى تأتينا النفقة [18] . فأعمالكم الصالحة في الدنيا نفقات لبناء قصوركم وغراس لبساتينكم في الجنة، فلا تكسلوا ولا تبخلوا؛ فإن نقص ذلك عائد عليكم.
معشر المؤمنين: وكم في سنة النبي من ذكر أعمال يسيرة يعطي الله أهلها أجوراً وفيرة وبيوتا في الجنة، ففي صحيح مسلم عن عثمان قال: سمعت رسول الله يقول: (( من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ) ) [19] ، وفي صحيح مسلم أيضا وغيره عن أم المؤمنين أم حبيبة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سمعت رسول الله يقول: (( ما من عبد مسلم يصلي لله ـ تعالى ـ كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة ) ) [20] ، وروي عن أنس قال: قال رسول الله: (( من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة ) ) [21] .
وفي فضل صبر المؤمن على موت ولده وحمده لربه واسترجاعه يقول الله ـ تعالى ـ لملائكته: (( ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد ) ) [22] .
وفي سنن أبي داود بسند صحيح قال: (( أنا زعيم - يعني ضامن - ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) ) [23] .