فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 9994

خطبة الجمعة وأثرها في إصلاح المجتمع#

للشيخ / صالح بن حميد

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله المبعوث بالرحمة والهدى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأشكر الله عز وجل على ما منّ به من هذا اللقاء الطيب المبارك بهذا الجمع الكريم، في هذا الصرح الإسلامي العزيز إلى النفوس والكريم العريق، ثم أشكر لمعالي أمين رابطة العالم الإسلامي فضيلة الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي عضو هيئة كبار العلماء هذه الدعوةَ الكريمة للمشاركة في موسم الرابطة الثقافي لهذا العام عام 1423هـ، وأشكر له حسنَ ظنّه، وأرجو أن أكون عند حسن ظنّ الجميع.

والموضوع الذي رأى منظِّمو هذا الموسم أن يكون الحديث فيه: خطبة الجمعة وأثرها في إصلاح المجتمع.

ولا شك أن مثل هذا موضوعٌ قديم جديد، وقد يحتاج الأمرُ فيه إلى تنبيهٍ وإلى تذكيرٍ وإلى نوعٍ من المعالجة، وإن كانت المعالجات فيه كثيرة، وهي تقبل التعدّدَ وتقبل النظر، وهي كذلك مهمة، ولا سيما في الوقت الحاضر، لا من حيث تواصلُ المسلمين فيما بينهم، ولا من حيثُ اتصالُ المسلمين بغيرهم على نطاقٍ واسعٍ وكبير، ولا سيما من خلال وسائل الاتصال ووسائل الإعلام، مما جعلَ المسؤوليةَ في ذلك كبيرة، وجعل إعادةَ النظر في كيفية الإفادة والاستفادة من هذا المنبرِ ومن وسائل الاتصالِ لتوظيفها من أجل أيضًا هذه الرسالة العظيمة، لا شكَّ أنه يستدعي وقفاتٍ، إن لم أقل: إنه يستدعي لقاءات ومؤتمراتٍ على مستوى علماء المسلمين ومفكِّريهم.

ومن هنا، حينما هممتُ أن أنظر في هذا الموضوع وأقرأ فيه وجدتُ أنه متشعّب، أو أنه يحتاج إلى مزيد عمق ومزيد نظر، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت: إنه قد لا يُغني فيه الغناءَ المطلوب مجهودُ فرد، وإنما يحتاج إلى عملٍ جماعي؛ لأهمية الموضوع وللمستجدات.

خطبة الجمعة وصلاتُها:

شعيرةٌ من شعائر الإسلام الظاهرة، أوجب الله على المسلم المكلَّف شهودَها بشروطِها التي بيَّنها أهل العلم رحمهم الله. وهي شعيرةٌ عظيمة الشأنِ جليلة المقاصدِ عميقة التأثير، في كل أسبوعٍ مرة، وفي العام ثمانية وأربعين مرة. ولهذا التكرار غرضه في مواصلة حوار النفس، ومواجهتها ومحاسبتها، ومراجهتها في أوامر الدين وأحكامها ومقاصدها....

من مظاهرِ أحكامِ هذه الشعيرةِ لزومُ حضورِها جماعةً، والنهيُ عن البيع عند النداء لها، يتأهّبُ لها المسلم بالتطهر والتبكير مع أخذ الزينة والطيب وحسن السمت، ووجوب الإنصات ونبذ اللغو، مما يهيِّئ للاستفادة والرغبة في الاستماع، والالتزام بما يَسمَع من الحقّ، على حد قوله سبحانه: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة:9] .

خطبةُ الجمعة من وسائلِ الإصلاح الفرديّة والجماعية، فهي تحتلّ موقعًا مهمًّا متميِّزًا في تبليغ الدين ونشر الدعوة وبثِّ الإصلاح.

كان ذلك منذُ بدء الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولا تزال هي أكثرَ الوسائل فعاليةً في نشر الحق، وبثّ الفكر الصحيح، ومخاطبة مختلف الفئات والطبقات والمستويات، نظرًا لأنَّ الخطيب المؤهَّل الموفَّق هو الأسرع إلى فهمِ العامة، والأبلغُ في التأثير على المجموعة، فللخطبة فعلُها المباشر وسرعتُها في توجيه الرأي العام.

خطيبُ الجمعة هو الواعظُ، له دورٌ كبير وأثرٌ بالغ في بيئته ومجتمعِه وسامعيه وقومه، فهو قرينُ المربِّي والمعلِّم ورجلِ الحسبة والموجِّه، وبقدرِ إحسانِه وإخلاصِه يتبوَّأ في قلوب الناس مكانًا ويضع الله له قبولًا قلَّ أن يزاحمَه فيه أصحابُ وجاهاتٍ، ولا يدانيه فيه ذوو مقامات، ومردّ ذلك إلى الإخلاص أولًا وتوفيق الله سبحانه وتعالى أيضًا، ثم إلى حسن الإجادة وجَوْدة الإفادة والقُدرة على التأثير المكسوّ بلباس التقوى والمدثَّر بدثار الإخلاص والورع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت