فهرس الكتاب

الصفحة 6251 من 9994

إن الحروب السابقة جرت حين كانت التيارات الأرضية من بعثية وناصرية وقومية وشيوعية وغيرها هي التي توجه الشعوب, فصرفتها عن طبيعة المعركة إلى رايات جاهلية, أما اليوم فإن الأمر قد اختلف؛ حيث غربة الإسلام بدت تتقشع شيئًا فشيئًا بفضل الله أولاً ثم بفضل جهود العلماء المخلصين العاملين الربانيين في هذه البلاد وغيرها من بلاد الله, وإذا أردت أن ترى مصداق ذلك فانظر كم من الناس كان يعرف ابن عثيمين حفظه الله عام 93هـ, وهو زمن حرب رمضان, كم كان يعرفه في هذه البلاد؟ إنه لم يكن يعرف خارج بلدته, واليوم يصدر الناس عن فتواه في مشارق الأرض ومغاربها, وانظر كم دفعة تخرجت من الجامعة الإسلامية منذ تلك الحرب إلى اليوم؟ إنها ثلاثون دفعة وكل دفعة فيها ما لا يقل عن مائة طالب توزعوا في أقطار الأرض شرقها وغربها, وقد تحملوا من العلم النافع والعمل الصالح والسمت الحسن من العلماء الربانيين من أمثال الشيخ بن باز رحمه الله وغيره كثير رحم الله أمواتهم وختم لأحيائهم بخير, وكثير منهم عين داعية إلى الله على منهج السلف في بقاع شتى من الأرض, ومن كان له بصر بمثل هذه الأمور عرف الأثر العظيم الذي تركوه في مناطقهم, فكيف بخريجي الجامعات الإسلامية الأخرى, ومن طلب العلم في الحلقات وغيرها, كدار الحديث وجامعة الإمام ومعاهدها الإسلامية, لاشك أن لجهود العلماء الربانيين المخلصين في هذه البلاد وغيرها أثرًا تغيير المعادلة ومعطيات القضية ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا فمهل الكافرين أملهم رويدًا.

ولاشك أن لهم أثرًا عظيمًا في كشف الغربة الثانية التي ألمت بالإسلام وتجلية كثيرٍ من حقائق الدين والذب عنه, ودحض الشبهات المثارة حوله.

ثم أمر آخر كان له أثر في الفارق الكبير بين هذا الوقت وأوقات الهزائم السابقة, ذلكم هو ثورة الإعلام والاتصالات التي حدثت في العالم كله, فجعلته كالقرية الصغيرة, يلقى الخطاب في أقصى العالم فيسمع في نفس اللحظة في أقصاه من الجهة الأخرى, واعتبروا ذلك بحادثة الغلام القتيل الذي ارتج العالم لمصرعه وبكى عليه أقوام وتباكى آخرون, وما شهر بجريمة اليهود في قتله إلا الإعلام.

إن الهزائم السابقة كان الخونة فيها يملكون أن يمنعوا عن شعوبهم ما يريدون منعه من المعلومات والأخبار, أما اليوم فإن الشعوب تبصر ما لا يحب الظالمون أن تراه شعوبهم, وتسمع ما لا يشتهي الظالمون, وتقرأ وتطلع على ما لا يرغبون, فما يكتمه هذا يفضحه ذاك, وهكذا دواليك, أفلا تمثل هذه الثورة الإعلامية في عصر الاتصال والفضائيات عنصرًا يستحق أن يشكل فارقًا يمنع القياس على ما مضى.

لقد جرب الناس الرايات كلها في حروبهم إلا الراية الإسلامية, والله يقول: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ويقول: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ويقول: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ويقول: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذين ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون.

لو أصلحت الأمة ما بينها وبين ربها لجاءها النصر, أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير أي والله إنه ليعفو عن كثير, ولولا ذاك لأخذنا أخذ عزيز مقتدر, فلنتب إلى الله ولنحسن العمل, فقد كان أصحابه إذا تأخر النصر تفقدوا أنفسهم فظفروا بعز الدارين, ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقون لا يعلمون نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم.

الخطبة الثانية

عباد الله: إن رصيد الأمة واحد, رصيد الإعراض عن شرعه والمعاصي التي تقارفها يكون ضررًا عليها وسببًا لعقوبتها, والغُنْمُ بالغُرْم, فرصيد التضحيات أيضًا واحد, فكل ما يعانيه الصادقون الربانيون من حمله الإسلام من أذى وتطريد وقتل وتشريد هو أيضًا رصيد يصب في صالح الأمة كلها بإذن الله فتستحق به إذا صبرت نصر الله وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت