فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولذلك هذا الخبر الواهي الذي جاءت به القصة يكون أيضًا مرسلاً لأن «المرسل» : هو ما سقط من آخره مَنْ بعد التابعي. كذا في «شرح النخبة» (ص41) .
إذن فالخبر مع شدة ضعفه من مرسل الزهري.
وحكم مرسل الزهري عند علماء الفن نقله السيوطي في «التدريب» (1/205) قال: «روى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه» . اهـ.
وبهذا يتبين أن القصة واهية من سقط في الإسناد وطعن في الراوي.
رابعًا: طريق آخر
وقد يقول قائل: إن هناك طريقًا آخر للقصة، فإلى القارئ الكريم تخريج هذا الطريق وتحقيقه:
القصة من هذا الطريق أخرجها الطبري في «التاريخ» (2/183) ، والبيهقي في «الدلائل» (5/8) ، وأورده ابن كثير في «البداية والنهاية» (4/500) ، كلهم عن ابن إسحاق قال: ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فدخل على ابنته: أم حبيبة... القصة.
خامسًا: التحقيق
القصة من هذا الطريق واهية حيث إن سندها مظلم أسقط ابن إسحاق رجاله وقد أورده الحافظ ابن حجر في «طبقات المدلسين» في الطبقة الرابعة رقم (91) وقال: «محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني صاحب المغازي مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم وصفه بالتدليس ابن حبان» . اهـ.
ولذلك أسقط ابن إسحاق الرواة وبالتالي لم يتبين أنه حدث أم عنعن فاختفى التدليس تحت الإرسال، يتبين هذا الإرسال من معرفة طبقة ابن إسحاق حيث قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (2/144) : «محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق رمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة» . اهـ.
قلت: والخامسة هي الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كذا في مقدمة «التقريب» (1/5) .
قلت: وبهذا يتبين أن ابن إسحاق من صغار الطبقة الصغرى من التابعين وعليه فمرسله من أضعف المراسيل وأن هذا الطريق يزيدها وهنًا على وهن.
سادسًا: قرائن تدل على عدم صحة القصة
1-إن أبا سفيان ما قدم المدينة إلا ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيد في هدنة الحديبية وقام فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال اللَّه تعالى: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا [لقمان: 15] .
فهل من المعروف أن تمنع أم حبيبة أباها من الجلوس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطوي الفراش وتنهر أباها وتقول لأبيها هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك ؟!
2-وفعل أم حبيبة (وهو طيها الفراش) ، وقولها (أنت امرؤ نجس مشرك) يوهم من لا يعرف أن القصة واهية بأن النجاسة في المشرك نجاسة البدن، والصواب أن نجاسة المشركين معنوية.
قصة صحيحة تبين نكارة القصة:
أخرج البخاري في «صحيحه» (ح2620، 3183، 5978، 5979) ، ومسلم في «صحيحه» (1003) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قدمت عَليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال: «نعم صلى أمك» .
قلت: وهذا اللفظ للبخاري (ح2620) باب الهدنة للمشركين.
وبوَّب الإمام البخاري بابًا في كتاب «الأدب» سمَّاه باب «صلة الوالد المشرك» (ح5978) .
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (5/277) : قوله: «في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» في رواية حاتم: «في عهد قريش إذا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وأراد بذلك ما بين الحديبية والفتح. اهـ.
قلت: قول الحافظ: «في رواية حاتم» هو حاتم بن إسماعيل وهو الذي روى عنه شيخ البخاري قتيبة بن سعيد (ح3183) .
مما سبق يتبين
1-أن قصة أم حبيبة وسب أبيها أبي سفيان قصة واهية منكرة.
2-وأن قصة أسماء بنت أبي بكر وصلتها لأمها المشركة اتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات الصحة.
3-ومما يدل على نكارة متن قصة أم حبيبة أن مقدمات القصتين واحدة فلابد وأن تكون النتيجة واحدة في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه القصة الواهية المنكرة تجعل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مخالفًا لهديه.
4-وبهذا يتبين للقارئ الكريم الأثر السيئ للقصص الواهية ومخالفتها للقرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة.
5-ومن الآثار السيئة لهذه القصة الواهية نسف الاستفادة دعويًا وتربويًا من القصة الصحيحة والتي فيها:
أ- جواز صلة القريب المشرك. كذا قال النووي في «شرح مسلم» .
ب- وفيها موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة.
جـ- وفيها السفر في زيارة القريب.
د- وفيها تحري أسماء في أمر دينها وكيف لا وهي بنت الصديق وزوج الزبير رضي الله عنه.
هذا ما وفقني اللَّه إليه وهو وحده من وراء القصد.