فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكذلك في الحديث: أن الإنسان إذا آمن لا يرتد عن دينه ساخطاً على الدين وإنما يرتد لأسباب أخرى، وهذا في الإسلام، أما في غير الإسلام فإنه يرتد عن الدين سخطاً على الدين، يعني: ربما الواحد يكون الشخص نصرانياً، فيخرج من النصرانية ساخطاً عليها، وآخر يهوديٌ يخرج من اليهودية ساخطاً على اليهودية ؛ لأن ما فيها باطل؛ لكن لا يوجد شخص مسلم يدخل الإسلام ويعرفه ويفقهه تماماً، ثم يخرج من الإسلام؛ لأن هناك أخطاء في الإسلام، أو هناك نقاط ضعف في الإسلام، لا يمكن؛ لكن ربما يخرج من الإسلام لأمور دنيوية، ولذلك قال هرقل: هل هناك أحد من المسلمين ارتد عن دينه سخطةً لدينه؟ -يعني: ساخطاً على دينه- لا يوجد، لذلك قال أبو سفيان: لا. ففي الإسلام قد يرتد الشخص إما لأنه حديث عهد بالإسلام ولم يفقه الإسلام؛ وإما لأنه لا يريد دفع الزكاة، وإما لأنه أُغْرِي بمال، فعبيد الله بن جحش الذي ارتد في الحبشة ، وكان من مهاجري الحبشة وارتد في الحبشة، إنما ارتد لحظ في نفسه، وليس لأجل ضعف في الدين الإسلامي، وهذه نقطة مهمة، وهي أنه لا يوجد أحدٌ يدخل في الدين -والحمد لله- ويفقهه جيداً فيتركه ساخطاً عليه، وهذا ربما يقع في أديان أخرى، أما في الإسلام فإنه لا يقع، لكن ربما يعني لهوىً؛ كمال، أو أغروه بمنصب مثلاً؛ فهذا يُمْكِن.
تعامل هرقل مع الدسيسة في كلام أبي سفيان:
كذلك نقطة مهمة: هرقل عندما قال أبو سفيان: لكن نحن الآن في مدة لا ندري ماذا يصنع فيها محمد صلى الله عليه وسلم، وأدخل هذه الدسيسة يقول أبو سفيان: (فوالله ما التفت إليها مني) : هرقل عاقل وذكي، أخذ إجابات أبي سفيان بالنص، والدسيسة التي أدخلها أبو سفيان في الكلام قال: لكن الآن نحن في هدنة لا ندري ماذا يصنع فيها، هذه الدسيسة الوحيدة التي استطاع أن يُدخلها، ومع ذلك هرقل ما التفت إليها.
الغنى والجهل سببان في الصد عن سبيل الله:
كذلك في هذا الحديث: أن أتباع الرسل أكثر ما يكونون من الفقراء، لماذا؟ لأن العظماء والأغنياء يصرفهم غناهم وعظمتهم عن الحق؛ لأن الإسلام سيزيل شيئاً من مزاياهم، أو من ميزاتهم، فالآن هرقل لو دخل في الدين سيصبح مسلماً عادياً، يعني: مُلْكُه سيزول، وسيتنازل عن ملكه. أبو جهل مثلاً: إذا أسلم فإنه سيقلِّد النبي عليه الصلاة والسلام زمام الأمور. ما الذي منع عبد الله بن أبي من الإسلام، وصار منافقاً؟ كانوا يريدون أن يتوجوه ملكاً على المدينة ، فلما جاء الإسلام شرق به وغص، ما هضم القضية، لماذا؟ لأن المنصب الذي كان سيعيَّن فيه حُرِم منه بسبب دخول الدين الجديد إلى المدينة . إذاً: من أسباب صد كثير من العظماء والأغنياء عن الدين والحق الغنى والجهل، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) يعني: المال والجاه يفسدان دين الإنسان أكثر من إفساد الذئب الجائع للغنم؛ وهذه مسألة مهمة.
الإيمان إذا وقر في القلب فإن صاحبه لا يرتد:
كذلك في هذا الحديث: أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإن صاحبه لا ينحرف: ولذلك كثير من المنتكسين ما خالطت بشاشة الإيمان قلوبَهم، أو أنها لم تلازمهم هذه البشاشة وتبقى معهم، ولذلك انتكس.
الخوف على النفس يمنع من اتباع الحق:
كذلك في هذا الحديث: أن الخوف على النفس قد يمنع الشخص من اتباع الحق:- هرقل يقول: (والله إني لأعلم أنه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته) ولو أن هرقل تفطن إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلم تسلم) لكان ما أصابه شيء؛ لكن مع ذكائه ما تفطن لقوله عليه الصلاة والسلام: (أسلم تسلم) مع أنه قال: (لو أني كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم لغسلتُ عن قدميه -يعني: مبالغة في العبودية والخدمة له- وقال: لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبِّل رأسه وأغسل قدميه) وكان وقعُ الرسالة على هرقل كبيراً يقول: (ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقاً من كرب الصحيفة) أي: عندما قُرِئ عليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يقوي أن هرقل آثَرَ مُلكه على الإيمان واستمر على الضلال: أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة (8) هـ بعد هذه القصة بأقل من سنتين، فإن المسلمين نزلوا في معان ؛ معان: معروفة في أرض الشام ، ونزل هرقل في مائة ألف من المشركين وحدثت غزوة مؤتة .
الاختصار في الدعوة إلى الله: