فهرس الكتاب

الصفحة 6393 من 9994

فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً وجمعت الناس وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة.

فلم يتقدم أحد من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها فقالت: بني , من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حياً وميتا.

فما من مصيبة أصيب بها مصاب إلا وهناك ما هو أعظم منها عند غيره، قيل لرجل:

كم لك من الولد ؟ قال: تسعة.

فقيل له: إنما نعرف لك ابناً واحداً، قال: الحمد لله, كان لي عشرة فقدمت تسعة أحتسبهم عند الباري الرحيم وبقي لي واحد , لا أدري أهو لي أم أنا له ؟

لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات قليل

وإن افتقادي واحداً بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل

وهاهي أعرابية اسمها أم غسان كما في عيون الأخبار , فقدت جميع أبنائها وفوق ذاك كف بصرها, مصيبة وأي مصيبة ؟! كانت تعيش بمغزلها وتقول:

الحمد لله على ما قضى , رضيت من الله ما رضي لي , وأستعين الله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء.

ثم تصاب مصيبة أخرى بموت جارة لها كانت تبثها أشجانها وأحزانها, فيقال لها: أين فلانة؟

فتقول: الحمد لله على قضاء الله والرجعة لله:

تقسم جاراتها بيتها وصارت إلى بيتها الأدلجِ

وفي العاقبة للأشبيلي:

يروى أن امرأة من الأعراب حجت ومعها وحيدها، فمرض عليها في الطريق ومات فدفنته بمساعدة الركب الذين كانوا معها , ثم وقفت بعد دفنه فقالت:

يا بني , والله لقد غذوتك رضيعاً وفقدتك سريعاً وكأن لم يكن بين الحالتين مدة ألتذ فيها بعيشك وأتمتع فيها بالنظر إلى وجهك.

ثم قالت: اللهم منك العدل ومن خلقك الجور , اللهم وهبتني قرة عين فلم تمتعني به كثيراً بل سلبتنيه وشيكاً ثم أمرتني بالصبر ووعدتني عليه الأجر , فصدّقت وعدك ورضيت قضاءك فلك الحمد في السراء والضراء , اللهم ارحم غربته واستر عورته يوم تكشف العورات وتظهر السوءات , رحم الله من ترحم على من استودعته الردم ووسدته الثرى.

ثم لما أرادت الانصراف قالت: أي بني لقد تزودت لسفري فياليت شعري ما زادك لسفرك ويوم معادك ؟ اللهم إني أسألك الرضا عنه برضاي عنه , استودعك بني من استودعني إياك جنيناً في الأحشاء , ومن يجازي من صبر في السراء والضراء.

من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذرُ

كنت السواد لناظري فعمى عليك الناظر

ليت المنازل والديار حفائر ومقابر

إني وغيري لا محالة حيث صرت لصائرُ

وأخرج ابن أبي الدنيا في الاعتبار عن الكندي قال:

كانت امرأة من بني عامر لها تسعة من الأولاد , دخلت بهم يوماً غاراً ثم خرجت لحاجة لها وتركتهم في الغار ولما رجعت سقط الغار عليهم وانطبق فجعلت تسمع أنينهم وتتلظى بجحيم عويلهم , لا تملك لهم حولاً ولا طولاً , تئن وتزفر زفرات قطعت أحشاءها , حتى فقدت أنينهم فلم تسمع لهم أنيناً فعلمت أنهم ماتوا جميعاً تحت الغار، فرجعت وبها من الأسى ما الله به عليم , فكانت تردد وتقول:

ربيتهم تسعة حتى إذا اتسقوا أفردت منهم كقرن الأعضب الوحدِ

وكل أم وإن سرت بما ولدت يوماً ستفقد من ربت من الولدِ

وأخيراً فقد حدثني من أثق به من الصالحين كما أحسبه والله حسيبه , أنه كان هناك رجل له ثلاثة أولاد صغار وزوجة في هناء وسعادة وأمان وسكينة واطمئنان , وذات يوم جاءهم أضياف فقام الأب وذبح لهم كبشاً والأولاد ينتظرون, ودخل للجلوس مع أضيافه بانتظار الطعام وقامت الأم بتغسيل أصغرهم في وعاء كبير مليء بالماء, فأخذ أكبرهم السكين يقلد أباه في ذبح الشاة وقام على أخيه الأوسط فأضجعه ثم ذبحه ذبح الشياه, وجاء لأمه يخبرها فصاحت ورمت بالصغير في وعاء الماء فغرق الصغير في الوعاء, ثم خرجت للأوسط وهو يتشحط في دمه, وهرب أكبرهم للشارع اعترضته سيارة فدهسته, ذهلت الأم و ثكلت جميع أبنائها , فجاء الأب فإذا بها تترنح وتخبره الخبر ثم تسقط ميتة وجداً على أبنائها الثلاثة, وإنا لله وإنا إليه راجعون: صُبت عليها مصائب لو أنها صُبت على الأيام عُدنَ لياليا

أما الأب فحمد الله واسترجع, ثم دخل إلى أضيافه وطلب منهم أن يحفروا قبوراً , وأخبرهم الخبر فياله من خبر ويالها من ضيافة ! حفروا القبور وصلوا على الجميع ودعوا للميت والحي , واستعد كل منهم أن يقدم ابنته زوجة لهذا الرجل الصابر فاختار ابنة أحدهم فتزوجها , ويذكر من نقل هذا أن له ثلاثة عشر ولداً من هذه الزوجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت