استبدل الأموات بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، جاءوها حفاة عراة فرادا.
اللحود مساكنهم، والتراب أكفانهم، والرفات جيرانهم لا يجيبون داعيا، ولا يسمعون مناديا. كانوا أطول أعمارا وأكثر آثارا، فما أغناهم ذلك من شيء لما جاء أمر ربك، فأصبحت بيوتهم قبورا، وما جمعوا بورا، وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين. حلَّ بهم ريب المنون، وجاءهم ما كانوا يوعدون: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] .
هل تفكرت يا عبد الله يوم المصرع، يوم ليس لدفعه حيلة، ولا ينفع عند نزوله ندم. أزِلْ عن قلبك غشاوة الغافلين، فإنك واقف بين يدي من يعلم وسواس الصدور، ومن يسأل عن لحظات العيون، ويحاسب على إصغاء الأسماع: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] .
تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويمنع الركون إلى الدنيا، ويهون المصائب.
تذكروا الموت لعلكم تسلمون من حسرة الفوت.
يقول الحسن رحمه الله: اتق الله يا بن آدم، لا يجتمع عليك خصلتان: سكرة الموت وحسرة الفوت.
احذر السكرة والحسرة يفجأك الموت وأنت على غرة فلا يصف واصف قدر ما تلقى ولا قدر ما ترى.
احذر لا يأخذك الله على ذنب فتلقاه ولا حجة لك.
أيها الإخوة: أين الخائف من قلة الزاد؟ وأين المتخفف من أثقال الدنيا ؟ أين الوجل من بعد السفر ووحشة الطريق ؟ اكتفى من الدنيا بطِّمريه [7] ، ومن طعامه بقرصيه. استعان على دنياه بالعفة والسداد فكفاه في دنياه القليل من الزاد. لقد استحيا من ربه حق الحياء تذكر الموت والبلى فحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى أراد الآخرة فترك زينة الحياة الدنيا. آثر ما يبقى على ما يفنى ذلكم هو كيِّس الأكياس.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله واحفظوا الله ما إستحفظكم وكونوا أمناء على ما استودعكم، فإنكم عند ربكم موقفون، وعلى أعمالكم مجزيون وعلى تفريطكم نادمون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحياةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] .
[1] أي متداول لا يبقى على حال، ولا يختص به أحد دون أحد.
[2] صحيح، أخرجه أحمد (2/292) ، والترمذي: كتاب الزهد - باب ما جاء في ذكر الموت، حديث (2307) ، وقال: حديث حسن صحيح غريب. والنسائي: كتاب الجنائز - باب كثرة ذكر الموت، حديث (1824) ، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4258) ، وصححه ابن حبان (2992) ، وذكره الضياء في المختارة (1701-1702) . وحسّن المنذري إسناده. الترغيب (4/117) ، وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني وإسنادهما حسن، (10/308) ، وصححه الألباني بشواهده، إرواء الغليل (682) .
[3] حسن، وهو زيادة على الحديث السابق، أخرجها ابن حبان (2993) ، وحسن الهيثمي إسنادهما، مجمع الزوائد (10/308) . والألباني كذلك، إرواء الغليل (682) .
[4] حسن، أخرجه أحمد (4/294) ، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب الحزن والبكاء، حديث (4195) ، وحسّن إسناده المنذري في الترغيب (4/120) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (1751) .
[5] حسن، أخرجه ابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4259) ، والطبراني في الكبير (13536) ، والبيهقي في الزهد الكبير (456) . وصححه الحاكم (4/540) . وقوّاه البوصيري في مصباح الزجاجة (1/249-250) ، وحسن المنذري إسناد الطبراني، وجوّد إسناد ابن ماجه. الترغيب (4/119) ، وكذا حسن الهيثمي إسناد الطبراني مجمع الزوائد (10/309) . وحسّن الألباني الحديث بطرقه. السلسلة الصحيحة (1384) . أما الجملة الأولى منه صحيحة، أخرجها البخاري: كتاب الأدب - باب لم يكن النبي فاحشاً، حديث (6029) وغيره.
[6] ضعيف، أخرجه أحمد (4/124) ، والترمذي: كتاب صفة القيامة - باب حدثنا سفيان بن وكيع ... حديث (2459) وقال: حديث حسن. وابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4260) ن والحاكم (1/57) وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر واهٍ، قلت: أبو بكر هو ابن أبي مريم الغساني، ضعّفه أيضاً ابن حجر . التقريب (8031) ، ومدار الإسناد عليه، فالحديث ضعيف، وضعفه الألباني، ضعف الجامع (4305) ، ضعيف سنن الترمذي (436) .
[7] الطِّمر: بالكسر الثوب الخلق البالي.
الخطبة الثانية
الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا مأيوس من مغفرته، أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ نعمته، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ومصطفاه من رسله، وخيرته من بريته. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن سار على نهجه واستمسك بسنته وحافظ على شريعته وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: